رمضان حزين لنازحي الأنبار بالعراق

(ا ف ب)
يحل شهر رمضان المبارك حزينا على النازحين من أبناء محافظة الأنبار العراقية، ويستقبل الهاربون من أتون الحرب شهر الصيام بترحاب ممزوج بالدموع، حزنا من واقع لا يجدون فيه قطعة خبز ولا كأس ماء بارد، وفرقا على أيام جميلة يصفها النازح الحاج محمد حسين على أنها نكهة رمضان بين مساجد في الفلوجة، التي تنبعث منها نداء الرحمن حين يطلق مدفع الافطار نداء” الله أكبر” إيذانا ببدء الإفطار،
وبحسب نازحين، فإن حكومة بغداد حولت حياة النازحين من الأنبار إلى جحيم، في جو يسوده الحر الشديد مع اقتراب درجة حرارة من 50 درجة مئوية، بسبب الإجراءات الأمنية والعسكرية حول بغداد، وتمنع اللاجئين والنازحين من دخول العاصمة.
وتتخوف حكومة العبادي من خطط تنظيم الدولة الإسلامية لاختراق العاصمة العراقية، حيث اعتاد تنظيم الدولة على القيام بصولات خاصة في شهر رمضان تسمى “غزوة رمضان” ما دفع الحكومة إلى تشديد اجراءاتها ما أثر ذلك على حركة النازحين، زاد من معاناتهم في رمضان، وأصبحت حياتهم أشبه بسجن واسع يفتقر لخدمات التغذية والصحة باستثناء ما يجود به الخيرون والميسورون
ويقتل الحاج محمد حسين البالغ من العمر “80 عاما” النازح إلى منطقة أبو غريب غربي بغداد ” لا تسألني عن رمضان في دار النزوح وتقارنه مع رمضان في بيتي مع أفراد عائلتي وأحفادي وجيراني وكل أحبابي الذين غابوا اليوم عني وأصبحت وحيدا غريبا في هذه الدار التي لجأت اليها منذ ثمانية أشهر”.
ويمضي الحاج حسين وعيونه حديثه، وعلامات الحزن باديه على وجهه، قائلا ” لدي سبعة من الأولاد والبنات لم أراهم منذ سنة بعد أن أصبحوا مشردين في مناطق إقليم كردستان وبعض المناطق الآمنة ، بينما كان رمضان في منزلي وديواني يجمعنا وقت الإفطار بالألفة والمحبة والتي تعتبر لمة العائلة واحدة من أجمل طقوسها، التي أشعر بلذتها، وهي من تقاليد العائلة التي عشتها مع والدي وجدي” .
وحين تذهب إلى مناطق “بزيبز” واليوسفية وأبو غريب ومخيمات إقليم كردستان، ومخيمات عديدة وسط بغداد لا تعرف إلا المعاناة، ولا ترى عينيك سوى اليأس في عيون النازحين ولا تسمع من الأم والطفل والرجل إلا كثرة الاحتياجات الإنسانية من دواء وغذاء فضلا عن المسكن الذي هو عبارة عن خيمة لا تليق بأناس كان يسميهم المجتمع العراقي أكابر القوم؛ فبيوتهم التي تركوها في مناطقهم سواء في مناطق الفلوجة والرمادي أو هيت أو عنه أو القائم والرطبة والبغدادي والخالدية وغيرها هي قصور فخمة تمتاز بفنها العمراني الراقي حتى أن الصحفي البريطاني المشهور “روبرت فيسك” عند زيارته للأنبار وصف قصورها بأنها “قصور ملوك وأمراء”.
إهدار الكرامة
وقالت امرأة أربعينية تدعى أم طارق بحسرة مختزلة حزنها وألمها “رمضان ليس بالمائدة الغنية ولا بالقصر الفخم ولكنه بالرأفة والمغفرة وذكر لله سبحانه وتعالى”، وتساءلت “أين هؤلاء المسؤولون الذين يظهرون على الشاشات التلفزيونية وهم يتخاصمون بأفكار طائفية؟ وكأننا في العراق أصبحنا أكثر من دولة، لا أحد يشعر منهم بأن العراق واحد.. حالنا اليوم لا يسر صديقا ولا عدوا “.
وأضافت” لقد أهدرت كرامتنا وأذلنا مسؤولونا وهذا هو حالنا في رمضان لا نعرف ماذا نقدم لمائدة الافطار لا شيء عندنا سوى حفنة ماء غير صحية، وأصبحنا لاجئين في بلادنا ننتظر معونات الآخرين”. وختمت قائلة ” كنت أتمنى لو أتى رمضان وأنا مغادرة لهذه الحياة التعيسة”.
ويقول زيد البالغ من العمر “23عاما”، وينفق على عائلة من 10 أشخاص ويقيم في أحد مخيمات بغداد:” استنفدنا كل ما نملك من الأموال والآن لا نملك أن نشتري حبة الأسبرين؛ فماذا أفعل مع هذه العائلة التي تحتاج إلى الأكل اليومي خاصة في شهر رمضان وأغلب أفراد العائلة صائمون سوى طفلة صغيرة”.
وتابع :”لا أستطيع ان أعمل في هذه الفترة لأن اسمي زيد وهو من الأسماء المحظورة في بغداد لدواع طائفية، وكما أن الأعمال قد توقفت في بغداد، فلا أقول إلا رمضان كريم ونسأل لله أن يعيدنا إلى ديارنا قبل العيد”.
اللافت في شهر رمضان المبارك هو قيام رجال مسنين بتوزيع صحونا من التمر على النازحين في الخيام وهم يتسابقون لكسب الأجر في إفطار صائم، كما يقول الحاج نجم خالد الذي بلغ السبعين من العمر، وقال “نحب أن نكرم الآخر وهذه واحدة من طبائعنا وعاداتنا ومهما اشتدت علينا المحن والمصاعب، وأصبحنا في ديار الغربة فلن تتغير قيمنا ولن نترك طقوس رمضان الفضيل الذي تعودنا ان نكرم الآخر وان نتسامح مع الآخرين”.
وكانت آخر وجبة نزوح من الأنبار في منتصف أبريل/نيسان الماضي وبلغ عدد النازحين فيها بحوالي 15 الف عائلة نازحة عشية سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الرمادي عاصمة الأنبار، وبعض المناطق والقرى المحاذية لها، حيث سكنت تلك العائلات في مخيمات بمناطق متفرقة في العاصمة بغداد وحزامها والنصف الآخر في مناطق كردستان العراق .
مائدة إفطار العائلة الأنبارية
وتتسم مائدة إفطار العائلة الأنبارية بتنوعها، ولا تخلو كما هو حال بقية كل الصائمين العراقيين من “شوربة العدس” مع شرائح اللحم فضلا عن اللبن والتمر وأطباق أخرى غنية، فيما تكثر خلال رمضان ما قبل النزوح دعوات الضيوف على مادة الافطار والذهاب إلى صلاة التراويح، وهي واحدة من أهم الشعائر التي اعتاد الأنباريون تأديتها في المساجد وسط تكبيرات وقراءة القرآن الكريم التي تضفي أجواء روحانية ذات نكهة رمضانية مميزة على المكان، وهو ما يفتقده النازحون في الأيام الراهنة .
ويحرص الأنباريون خلال شهر رمضان المبارك، على اللقاءات الاجتماعية العائلية أو جلسات خارج نطاق العائلة ومزاولة لعبة المحيبس الشهيرة، التي تتنافس فيها مناطق المحافظة من خلال بطولات متنوعة، ولا ننسى أطباق الحلويات تكون حاضرة مثل الكنافة والزلابية والبقلاوة والدهينة والمحلبي، فيما تعقبها العودة لذكريات الماضي وحكايات الآباء والأجداد التي تقص جانبا من تراثهم الاجتماعي الأصيل، لكن الوضع تغير الآن من النزوح والتشرد.
ويقول الحاج جمال إبراهيم يبلغ “60عاما”، وهو نازح في مخيم بمحافظة أربيل “في شهر رمضان الحالي خسرنا المسجد وصلاة العشاء والتراويح وأصوات المآذن ومناراتها وجلسات ما بعد التراويح مع الأحبة والأصدقاء، كل ذلك أصبح شيئا من الماضي وذكريات مؤلمة علينا هذه الأيام ونحن أسرى في خيمة لا نسمع فيها ولا نرى ولا نلمس أية أجواء رمضانية” .
ويزيد عدد سكان الأنبار عن مليوني نسمة، لم يبق منه سوى أقل من 10% حيث يتواجد هؤلاء تحت سيطرة المناطق الخاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية، في حين ترك الآخرون وهم الأكثرية ديارهم ومنازلهم مكرهين عقب سيطرة التنظيم على مدنهم خلال انسحاب القوات العسكرية منها بشكل غريب، وخاصة في مناطق الفلوجة والتي تعتبر أهم أقضية المحافظة فضلا عن الرمادي عاصمة الأنبار، وأقضية راوة وهيت والقائم وعكاشات في بادية الشام غرب المحافظة .