الدولة الأمنية تهيمن على مصر

السيسي وسط قياداته العسكرية
(أرشيفية)

بعد أكثر من أربع سنوات على ثورة  يناير 2011 التي طالبت بتحقيق “الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية”، تشهد مصر في عهد عبد الفتاح السيسي بناء نظام أكثر قمعا وتسلطا، في دولة تهيمن فيها الأجهزة الأمنية.

ووفقا لمنظمات حقوق الإنسان الدولية فإن مصر تعيش في مرحلة من أحلك ايامها بعد الانقلاب الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب الدكتور محمد مرسي

ويقول نشطاء وحقوقيون محليون ودوليون إن عبد الفتاح السيسي يشيد نظاما أكثر قمعا وتسلطا، وارتكب “انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان” بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته مطلع الشهر الجاري بمناسبة مرور عام على  تنصيب السيسي رئيسا في انتخابات حصل على تأييد 96% من المصريين رغم المظاهرات اليومية المعارضة للانقلاب والمطالبة بعودة الشرعية.

ويقول أحمد عبد ربه مدرس النظم السياسية في جامعة القاهرة إن أي مقارنة بين نظامي (الرئيس المخلوع حسني) مبارك والسيسي ستكون “مجاملة” للأخير، ويضيف “مبارك رغم كل مساوئه كان يتفاوض. أما النظام الحالي فيمنع كل أنواع الحراك. يضيق الخناق على المعارضين ويعظم دور الجيش والأجهزة الأمنية ويسيس العدالة بشكل أسوأ وأفظع من مبارك”.

ومنذ الإطاحة بمرسي، تشن الأجهزة الأمنية حملة قمع دامية ضد المعارضين للانقلاب وغالبيتهم من الإسلاميين أدت إلى مقتل وإصابة آلاف الأشخاص، وتوقيف أكثر من 40 ألف آخرين، وفق منظمات حقوقية، وامتدت الملاحقات لتشمل النشطاء من كل التيارات المعارضين للانقلاب.

وخلال السنوات الأربع الأخيرة، اُسقطت تهم قتل المتظاهرين من على كاهل كبار رجال الشرطة في عهد مبارك، كما برأ القضاء كافة رجال الأعمال والوزراء المتهمين في قضايا فساد فخرجوا من السجون ليباشروا أعمالهم التجارية من جديد، أما مبارك نفسه فطليق لكنه يواجه جولة أخيرة من المحاكمة أمام محكمة النقض في قضية قتل متظاهرين.

مصر بلا حياة سياسية
ويصر السيسي على أن مصر “لا يمكن ان تعود إلى الوراء”، ويؤكد عمرو علي المنسق العام لحركة 6 أبريل أن “مصر الآن بلا حياة سياسية ولو حتى مجرد ديكور كما كانت الحال إبان عهد مبارك”، ويضيف علي -الذي تحدث عن اختفاء قسري لعدد من نشطاء حركته أخيرا- “لا توجد أحزاب سياسية معارضة ولا يوجد برلمان والحركات الشبابية يتم حظرها الواحدة بعد الأخرى”.

وعادت الشرطة إلى سابق عهدها في ممارسة القمع وانتهاك حقوق الإنسان، ويقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان غير الحكومية إن مصر تمر ب”أسوأ حالة قمع وأسوأ حالة لحقوق الإنسان منذ عقود”.

وفي مكتب عيد ملصق متوسط الحجم كتب عليه بالأسود “أخرجوهم من السجون” بجوار صور لأبرز نشطاء الثورة علاء عبد الفتاح وماهينور المصري وأحمد ماهر ومحمد عادل وكلهم محبوسين حاليا بأحكام مختلفة.

وأضاف عيد -الذي سجن أربع مرات خلال عهد مبارك- “لا اختلاف كبيرا بين السيسي ومبارك. رجال الأعمال عادوا من جديد والإعلام يهلل له في كل مكان والدولة البوليسية في أشدها”. وبصوت خافت يقول أحد الموظفين ” كل يوم أرى نظاما أسوأ يُبنى”.

وعلى الرغم من هذه الحالة المتردية يذهب السيسي إلى الحد الأقصى في تهديداته ويقول خلال حفل “إفطار الأسرة المصرية” بفندق الماسة في مدينة نصر، “إوعى تتصور أو تفتكر إننا ممكن نزهق ولو بعد 10 سنين.. محدش يقدر يقهر إرادة المصريين بالقوة أو الترويع، هو مش واخد باله إننا مش هنكون أقوى من القرار اللي خدناه في 30 يونيو من سنتين”.. إحنا محتاجين دايما نفتكر، أنا مش بقلب المواجع، بس السنتين اللي فاتوا علموا في جسمنا، وافتكروا 3 يوليو و8 يوليو و26 يوليو و14 أغسطس ولغاية دلوقت، وبقولكم عايزين تعيشوا معانا في أمان أهلا وسهلا، والأرض تسعنا كلنا وتكفينا وزيادة، لكن تفرض إرادتك علينا مش هينفع، ده رب الخلق خيّر الناس في عبادته”.

ويلوح السيسي في كلمته  بالمزيد من المجازر على غرار المجازر التي ارتكبها في ميدان رابعة والنهضة وغيرها، ويخير معارضي نظامه بين الاستسلام أو مواجهة الاستهداف حتى لو استمر هذا الأمر عقدا كاملا من الزمان.

ويعترف السيسي بوجود “مظلومين” في السجون، لكنه يعتبر ذلك من الأعراض الجانبية غير المهمة ويقول: “إحنا بنأمن 90 مليون، أكيد فيه ناس هتيجي في الرجلين، ومكنتش أتمنى أن يكون فيه حد خالص محتجز في الأيام الكريمة دي في رمضان، بس فيه ناس مش سايبانا في حالنا، كان لازم نقبض على ناس علشان الباقيين يعيشوا”.

لكنه عندما يتحدث عن الخدمات ورفع مستوى المعيشة ومعالجة مشاكل الفقر والبطالة وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية يقول “مفيش”.. أي لا يوجد، وأقسم “والله لو قادر أدي الناس برة مصر هدي.. والله مكنت خليت حد محروم أبداً في الدنيا، بس إحنا ظروفنا مش سامحة” رغم تلقي نظامه 300 مليار جنيه ” (42 مليار دولار) من المساعدات الخليجية، ليس هذا فحسب بل تدهورت الحالة الأمنية إلى درجة نقل فيها مؤسسات الدولة من سيناء إلى الإسماعيلية بسبب خروج الأوضاع عن السيطرة في سيناء.

ويبرر تدمير رفح في إطار حديثه عن الأوضاع في سيناء ويقول: “مكنش عندي خيار تاني، ويعترف أن أهالي رفح المشردين لا يزالون في العراء لأن المقاولين يرفضون العمل في سيناء ويقول: “المقاولين سابوا الشغل ومشيوا بسبب التهديدات”. وهو إقرار بفقدان السيطرة الأمنية على سيناء.

تدهور بالأوضاع المعيشية والحقوقية
هذه الحالة جعلت مصر في “وضع ميؤوس منه” كما قالت 130 منظمة غير حكومية ونقابة مصرية في تقرير سبق وأن قدمته إلى الأمم المتحدة ، وهو تقييم لا يمكن التشكيك به لأنه يأتي من جهات مصرية من الصعب ان تتفق على تقييم خاطئ.

هذا التقرير، الذي شاركت بإعداده 51 منظمة غير حكومية و79 نقابة عمالية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر، قدم للأمم المتحدة شرح الحالة المتردية التي وصلت اليها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصر، اتهم الحكومة بالفشل، وعدم معالجة الأسباب الجذرية لغياب المساواة الاقتصادية والاجتماعية، واتباع تدابير تقشفية غير مدروسة، وانتشار الفساد، وتدهور الخدمات العامة، والغياب الصريح للمشاركة الشعبية في عملية صنع القرار، والاعتماد على الاقتراض من الخارج، والتعامل القمعي مع الاحتجاجات، والفشل الحكومي في مواجهة الحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتجاهلها جميع مطالب التدابير التصحيحية وتحسين الشفافية والمساءلة.

وبالطبع تدهور أوضاع حقوق الإنسان في مصر إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما أكدت عليه 25 منظمة حقوقية مصرية بعدما أعلنت رفضها لقانون الارهاب الذي اصدرته سلطات الانقلاب واعتبرته اعتداء صارخا على الدستور والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، واستخدام القوانين والقضاء لقمع الخصوم السياسيين، والنيل من حريات الرأي والتعبير والتنكيل بالمجتمع المدني، والاعتماد على الإجراءات الاستثنائية وإدخالها في نطاق القانون العادي، وهو ما أيدته منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومان رايتس ووتش اللتين أكدتا “اللجوء المتزايد إلى القمع في مصر، والتعذيب والاعتقالات بالجملة وأحكام الإعدام الجماعية”، واللجوء إلى الحلول الأمنية و”عسكرة المجتمع.

وإذا ما أضيف إلى ذلك دراسة معهد كارنيغي الأمريكي والتي خلصت إلى أن مصر تعيش “أحلك أيامها” في العصر الحديث، وأن مستوى عنف سلطة السيسي تجاوز ما اقترفته أنظمة عبد الناصر والسادات ومبارك مجتمعة،  فاستمرار الانقلاب سيحول مصر إلى “دولة فاشلة ومفلسة” مرعوبة من الداخل كما تؤكد تقارير محلية ودولية.

وتذكر منظمة هيومان رايتس ووتش بالمجازر التي ارتكبت منذ وقوع الانقلاب في 3 يوليو- تموز 2013 في تقريرها وتقول: “إن قوات الأمن المصرية نفذت واحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في العالم خلال يوم واحد في التاريخ الحديث”، وذلك في فضها اعتصام رابعة العدوية لأنصار محمد مرسي في 14 أغسطس/ آب  2013.

ونددت منظمة هيومن رايتس مونيتور بتردي مستوى الرعاية الصحية في السجون المصرية، وقالت إن السجون المصرية تحولت إلى مقابر جماعية للمعتقلين في قضايا سياسية، مضيفة: “ما بين وقوع حالات قتل نتيجة التعذيب الذي تمارسه الشرطة المصرية بحق معارضيها، أو وقوع حالات أخرى قتلى ضحية الأمراض التي يعانوها، في ظل إهمالٍ طبي من قبل إدارات السجون، فضلًا عن منعها دخول الأدوية لهم على حسابهم الشخصي، فتتركهم السلطات المصرية بين خيار الموت البطيء داخل زنازينهم، أو تنقلهم إلى مستشفيات السجن غير المجهزة بالمرة لاستقبال حالاتهم، مع استمرار نهجها بمنع دخول الأدوية، لتمعن بذلك في اختيار الوسائل التي تتسبب في النهاية إلى قتل معارضيها”. واعلنت وفاة 200 سجين بسبب الاهمال الطبي، وحذرت من إمكانية وفاة 5000 معتقل آخر ممن يعانون من أمراض مختلفة، ولا توفر لهم الرعاية الصحية المناسبة”.

وحتى وزارة الخارجية الأمريكية قالت في تقريرها السنوي الذي صدر قبل أيام حول أوضاع حقوق الإنسان في العالم، إن قوات الأمن المصرية قتلت نحو900 متظاهر خلال العام 2013 ، وإن السلطات المصرية تواصل عمليات خنق حرية التعبير والصحافة.


إعلان