ما هو سر تنكر قادة ومسؤولين عرب لماضيهم؟

رفعت ثورات الربيع العربي الغطاء عن خطايا القادة في حق شعوبهم، بما طرح السؤال بشأن تنكر حكام ومسؤولين عرب إما لماضيهم، وإما لشعارات رفعوا وخالفوها بل هدموها.

تابع المجتمع العربي مؤخرا الجدل الدائر بين المصريين، بشأن مدي أهلية أبناء الفقراء للعمل بمهن القضاء، والالتحاق بوزارة الخارجية، وكليات الشرطة والجيش المتنوعة، والتي يسيطر عليها في الغالب عائلات أو طبقة بعينها.

ويأتي هذا الجدل تتويجاً لإخفاق حكام ومسؤولين عرب رفعوا شعارات العدالة الاجتماعية، وإزالة الفوارق بين الطبقات، والمساواة ، بعد طرح هذا في أيدولوجيات وشعارات علي مدار العقود الماضية.

ورغم أن ثورة 23 يوليو/تموز 1952 المصرية حققت بعض الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية المهمة، مثل الإصلاح الزراعي، وتوسيع قاعدة العلاج والتعليم بالمجان؛ إلا أن جزءا من هذه المكاسب تعرض للتبديد لاحقا إما بدعوى الأزمات الاقتصادية المتلاحقة بسبب هزيمة 5 يونيو/ حزيران أمام إسرائيل، وإما بسبب السياسات الخاطئة مثل الانفتاح  الاقتصادي، والخصخصة، والتي  تسببت في ظهور طبقة ضئيلة تستأثر بالثروة، على حساب شرائح واسعة من الشعب، وانتشار الفقر المدقع.

ومن خلال قراءات في تقارير مركز معلومات مجلس الوزراء المصري، عندما تولي حسني مبارك الحكم عام 1981 وهو من أسرة متوسطة الحال- أنهي الإصلاح الزراعي بشكل عملي، وأعاد غالبية الأراضي التي سبق وأممتها ثورة يوليو، من رجال الاٌقطاع إلى أصحابها الأصليين، وقام ببيع والتخلص من معظم المصانع التي شيدتها، وبات التعليم والعلاج المجانين حبرا علي ورق، وظهرت  مستشفيات ومدارس يملكها رجال الأعمال الجدد  بشكل واسع، بينما باتت دور التعليم العام والمستشفيات عبارة عن مبانٍ بها موظفين وتفشت الدروس الخصوصية والغش والفساد، وانهار تماما مستوى التعليم ،وهو ما يؤكده الخبراء.

يقول  الدكتور عمر احمد سعد جامعة القاهرة -في دراسة له في عهد مبارك – رأينا كيف: “بدأت الفوارق تظهر بقوة بين الطبقات، وعاد رأس المال يسيطر علي الحكم ورجال أعمال مثل أحمد عز ورشيد محمد رشيد ومنصور شيفروليه أصبحوا وزراء ومسئولين تشريعين، في ظل حالة من التبعية المقيتة للولايات المتحدة”.

عائلات مسيطرة
وبعد ثورة 25 يناير/كانون ثاني 2011، وانتخاب الرئيس محمد مرسي للجمهورية ذكر في خطاب له أن  من يحتكرون الثروة في مصر :”بضع عشرات من العائلات “.

وفي اعقاب الانقلاب علي الرئيس مرسي قال اللواء محمد أبو شادي وزير التموين السابق  بحكومة الانقلاب:” إن مصر بها نحو 20 عائلة تمارس احتكار السلع، وتسيطر على الأسواق دون أن يكون هناك أحد قادر على إنهاء هذا الاحتكار”.
وبعد أن تولي أول رئيس بعد الانقلاب الحكم وهو عبد الفتاح السيسي، خرج علينا  المستشار محفوظ صابر، وزير العدل السابق في حكومة السيسي  قائلاً  بالفم المليان إن ابن عامل النظافة “غير لائق اجتماعيا لتولي القضاء،”، وهو تصريح تسبب في موجة غضب كبيرة اجتاحت الشارع المصري ،وانتهت بتقديم صابر لاستقالته.
واعتبر القيادي الناصري أحمد عبد الحفيظ المحامي للجزيرة مباشر: “عزل هذا الوزير لا يؤخر من الأمر شيئا، لأنه كان يعبر بالفعل عن سياسات لاتزال معمول بها  في مصر بعد إبعاده عن منصبه وحتي الآن”.
ووصل الأمر الي التنكر للنظام الجمهوري ذاته  يقول  محمد مرتضي من شباب الثورة للجزيرة مباشر:” لولا تفجر ثورة 25يناير المجيدة لكان جمال مبارك قد ورث الحكم عن والده وباتت مصر جمهورية وراثية لتعود ثورة يوليو بمصر للوراء وكأنها لم تقم من الأصل”.

التنكر للأهل
ومن أبرز الأمثلة التي تشير لتنكر الإنسان لأصله وجذوره وأهله ووطنه، الرئيس اليمني المخلوع علي صالح والذي يساهم الآن في تدمير البلد الذي حكمه 30 عاما، وجره لحرب أهلية مدمرة.

وولد صالح ” يوم 21 مارس/آذار 1942، في قرية بيت الأحمر بمنطقة سنحان في محافظة صنعاء لأسرة فقيرة، وعانى شظف العيش بعد طلاق والديه في سنٍّ مبكرة الدراسة، وعمل راعيا للأغنام قبل أن يبدأ حياته العسكرية برتبة شاويش”، بحسب موسوعة الجزيرة نت.

وفي 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 فرض “مجلس الأمن الدولي” عقوبات على صالح، لاتهامه بتهديد السلام والاستقرار باليمن، وتهدف العقوبات لوضعه في قائمة المنع من السفر إضافة إلى تجميد أصوله. ولاحقا خلص تقرير أعده محققون للأمم المتحدة هذا العام أن صالح جمع بوسائل الفساد ما يصل إلى 60 مليار دولار، وتواطأ في استيلاء ميليشيات على السلطة العام الماضي.

وفي ذات السياق  تشير وثائق ثورة الفاتح من سبتمبر/ايلول في ليبيا  إلى أن قائد الثورة معمر القذافي -الذي ولد سنة 1942 بوادي جارف بمنطقة سرت- “عاش حياة بدوية بصورة عادية في النجع المتكون من عدة خيام متناثرة، وأهله الكادحين في البحث عن قوت يومهم”. وتكشف تلك الوثائق: أن  والده محمد عبد السلام احميد القذافي كبقية أهل البادية يمتهن رعى الماشية.

وعن العقد الأخير من حكم القذافي، يقول المحلل السياسي صلاح بكوش للجزيرة  مباشر:” بدأ القذافي يشعر بالعظمة وأطلق على ليبيا اسم يتناسب مع شعوره “الجماهيرية العظمي”، واستمال القبائل الأفريقية وملوكها، ولقّب نفسه بملك ملوك أفريقيا، وبدأ يحتقر شعبه  المطالب بالحرية”.

وحتى اللغة العربية لم تسلم من التنكر، عندما قالت الوزيرة  المنتدبة المكلفة بالبيئة، حكيمة حيطي، للصحفيين -حسبما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عنها- “أن حديثها باللغة العربية يسبب لها ارتفاعاً في درجة حرارة جسمها”.

وانتقد مغاربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الوزيرة، معلنين أنها :”أهانت لغة الدستور عبر تهربها وتأففها من العربية”.

وفي  معرض تفسيرها لظاهرة الشعور بعقدة النقص، والتنكر للماضي، وللأهل والنشأة التي يعانيها مثل هؤلاء الأشخاص تقول الدكتورة جاكي جورج الباحثة الاجتماعية المتخصصة في علم النفس لموقع الجزيرة مباشر: “هؤلاء البشر مرضى بعقد النقص، والحقد علي المجتمع  بسبب ماضي صعب عاشوه، ولذلك يحملون نقمة عليه”.

وتضيف د. جاكي:” العلاج الانسب للمصاب بعقدة الإحساس بالنقص هو الذي يتأتى بعد اعتراف المريض بإصابته بالعقدة، ويجد في ذاته رغبة في علاجها”.   ورأت أن مشكلة هذه الفئة من البشر، هو أنها لا يمكن أن تعترف أبداً بأنها مريضة، حتي يتسنى لها العلاج، وبالتالي تستفحل أمراضها وتنعكس على المجتمعات.
 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان