خيارات أردوغان الصعبة بعد الانتخابات

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
(ا ف ب)

 

فاز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات البرلمانية التركية، لكنه خسر الأغلبية المطلقة التي كانت ستمكنه من تعديل الدستور، ورغم ذلك يبقى الرئيس رجب طيب أردوغان ، الذي يقود تركيا منذ 13 عاما، الزعيم السياسي الأكثر شعبية وهيبة في بلاده، في العصر الحديث، منذ حكم مصطفى أتاتورك مؤسس الجمهورية.

 

عمل أردوغان من أجل تحقيق تحقيق نصر كاسح لحزب العدالة والتنمية يتيح له تغيير الدستور وإقامة نظام رئاسي على غرار النظام الأمريكي، وألقى بكل ثقله لتحقيق فوز كاسح، لكنه وبدلا من أغلبية الثلثين التي كان يطمح إليها أخفق حتى في تحقيق أغلبية نسبية لتشكيل الحكومة منفردا، رغم أنه ظل أكبر الفائزين وبفارق كبير عن أقرب منافسيه، مما يفتح الباب أمام حالة من الغموض السياسي في تركيا.

 

يعتبر أردوغان المحرك الأساسي لحزبه بشخصيته الكاريزمية وقدرته على الخطابة، فقد وصل إلى رئاسة الحكومة عام 2003 على أنقاض أزمة مالية خطيرة كادت أن تؤدي إلى إفلاس تركيا، ويعتبر صانع المعجزة الاقتصادية التركية ورجل الإصلاحات التي حررت الغالبية الإسلامية في هذا البلد من سيطرة النخبة العلمانية ومن تدخلات الجيش في الحياة السياسية.

 

ويسلط أردوغان، الذي كان والده ضابطا في خفر السواحل، الضوء دائما على أصوله المتواضعة. فقد نشأ في حي شعبي من إسطنبول وتلقى تعليمه في ثانوية دينية وعمل بائعا,  كما حلم في وقت ما أن يصبح لاعب كرة قدم، قبل ان يخوض غمار السياسة ضمن التيار الإسلامي.

 

وانتخب عمدة لبلدية إسطنبول في , 1994 ثم قاد حزبه ، حزب العدالة والتنمية، إلى الفوز بالانتخابات التشريعية في 2002. وتولى منصب رئيس الوزراء بعد ذلك بعام, بعيد العفو عنه من حكم بالسجن بسبب إلقائه نشيدا دينيا في مكان عام.

 

ولسنوات راكم النموذج الديموقراطي المحافظ الذي اعتمده أردوغان والذي يزاوج بين الرأسمالية الليبرالية والإسلام ، النجاحات مدعوما بنسب نمو “شبيهة بالنمو الصيني” لاقتصاد البلاد ورغبته في الانضمام للاتحاد الأوروبي.

 

وبعد أن اعيد انتخابه في 2007 و2011 مع نحو 50 بالمئة من الأصوات، بدا أردوغان يحلم بتولي الرئاسة وبالبقاء على رأس البلاد حتى 2023 للاحتفال بمئوية الجمهورية التركية.

 

لكن هذا السيناريو شهد تعقيدات في حزيران/يونيو 2013 . فقد نزل على مدى ثلاثة اسابيع آلاف الاتراك الذين ينتمون إلى الأقليات والعلمانيين إلى الشارع ليحتجوا على قطع مجموعة من الأشجار، سرعات ما تحولت إلى مظاهرات ضد أردوغان وحزبه.

 

لكن أردوغان الواثق من نفسه ومن شعبيته والذي يصفه مريدوه وخصومه بـ “السلطان الجديد”، لم يتزعزع، وعلى العكس رد مستخدما استراتيجيته المفضلة التي هي أنه “رجل الشعب” وضحية “مؤامرة” النخب.

 

ولا يزال أردوغان متمسكا منذ ذلك الحين بخطابه الشديد وشن هجمات كلامية عنيفة على خصومه خلال الحملة الانتخابية، وركز هجماته على المعارضة وحليفه السابق الإمام فتح الله غولن ووسائل الإعلام الأجنبية مثل صحيفة نيويورك تايمز وهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) الذين اتهمهم بأنهم “أعداء تركيا الجديدة” وهو ما يزيد مخاوف منتقديه.

 

النتائج غير الرسمية للانتخابات البرلمانية الاخيرة التي جرت أمس تشير إلى ان حزب العدالة والتنمية  حصد نسبة 40.9% من الأصوات،

وذهب 25.6% من الأصوات لحزب الشعب الجمهوري ، وحصل حزب الحركة القومية على 16.5%، واستطاع حزب الشعوب الديمقراطي أن يحصل على أكثر من 12% من الأصوات ليضمن دخوله البرلمان لأول مرة منذ تأسيسه قبل ثلاث سنوات.

 

وبذلك ضمن الحزب العدالة والتنمية الحاكم 258 مقعدا في البرلمان من إجمالي عدد النواب البالغ 550 نائبا، وحصل حزب الشعب الجمهوري على 132 مقعدا فيما حصلت الحركة القومية على 80 مقعدا، ومثلها لحزب الشعوب الكردي.

 

هذه النتائج عبارة عن فسيفساء موزعة على رقعة المشهد السياسي، لان حزب العدالة والتنمية لم يستطع الحصول على الاغلبية المطلقة اللازمة لتشكيل المحكومة منفردا مما يجعله مجبرا على تشكيل حكومة ائتلافية في الوقت الذي يستبعد فيه الحزب الكردي التحالف مع الحزب الحاكم، وتدعو الحركة القومية إلى إجراء انتخابات مبكرة في حال فشل محاولات تشكيل الحكومة.

 

ومن المؤكد أن تدفع هذه النتيجة حزب العدالة والتنمية وهو الحركة السياسية الغالبة في تركيا منذ أكثر من عشر سنوات إلى محاسبة ذاتية. وهذا ما عبر عنه أردوغان بقوله: “رأي شعبنا فوق كل شيء آخر، وأعتقد أن النتائج التي لا تتيح لأي حزب أن يشكل حكومة من حزب واحد,  ستقيم تقييما سليما وواقعيا من جانب كل حزب.”

 

لماذا خسر حزب التنمية والعدالة الاغلبية المطلقة؟ يرى المحللون أن بعض الناخبين  شعروا بالخوف من خططه لتركيز الصلاحيات في يديه، إلا ان بعض المراقبين والمحللين يذهبون إلى عوامل أخرى أدت إلى خسارة حزب العدالة والتنمية 8 نقاط كاملة من رصيده مقارنة بالانتخابات السابقة، منها تكتل جميع القوى ضده، وتصاعد تأثير العامل القومي والمذهبي ضده، فالأكراد اصطفوا خلف حزبهم الكردي، واصطف إلى جانبهم نسبة كبيرة من العلويين، وهو ما تشهد عليه الانتخابات المحلية الأخيرة، ويقول أحد الباحثين “في تشريح لافت لتلك الانتخابات يظهر جلياً مدى حيوية العامل المذهبي في تحديد توجّهات الناخبين. فقد فشل حزب العدالة والتنمية في الفوز بمحافظة أنطاكيا الحدودية الهامة مع سوريا في خسارة هي الأولى له منذ أكثر من عشر سنوات.. ورغم أن العلويين الأتراك والعرب يتفقون في ولائهم لحزب الشعب الأتاتوركي، إلا أن العلويين العرب في أنطاكيا أكثر تشددا في رفض حزب أردوغان، وأكثر قربا من النظام السوري. وباعتماده على ولاء العلويين العرب (40 بالمئة من إجمالي سكان المحافظة)، تمكّن حزب الشعب الجمهوري (الأتاتوركي) من تحقيق المركز الأول، في أنطاكيا، لتوحد كامل الكتلة الانتخابية للعلويين وراءه، ما أجهض جهود أردوغان في السيطرة على المحافظة ذات الموقع الاستراتيجي، لا سيما لجهة موقعها على الحدود السورية وتحكّمها بمنفذين حدوديين.

 

لكن ما لا شك فيه أن المسؤولية لا تقع على عاتق تكتل الاكراد خلف حزبهم ومساندة الأقليات لهذا الحزب للحيلولة دون خسارته لنسبة 10% ، التي كان سيذهب غالبيتها لحزب العدالة والتنمية حسب “تقسيمات البقايا” المعمول بها في النظام الانتخابي التركي، لكن الترهل أصاب بعض مفاصل الحزب الذي يحكم البلاد منذ أكثر من عقد من الزمان، وهو ما وعد أردوغان بمراجعته.

 

في ظل هذا الواقع فان السيناريوهات السياسية المحتملة لتشكيل حكومة تركية تتلخص بالتالي:

 

اولا: حكومة أحادية اللون من حزب العدالة والتنمية لكنها اقلية بموجب الدستور سيطلب أردوغان من رئيس حزب العدالة والتنمية الذي احتل الطليعة بحصوله على 40,8% من الأصوات و258 مقعدا من اصل مقاعد البرلمان ال550، تشكيل حكومة جديدة.

 

يمكن نظريا ان يشكل رئيس الوزراء الحالي احمد داود اوغلو فريقا حكوميا يعتبر أقلية، ما يعني حكما انه غير مستقر، ويحكم بمفرده. لكن رئيس الدولة استبعد هذه الفرضية. ولفت في اول رد فعل له إلى “ان النتائج الحالية لا تعطي الفرصة لأي حزب لتشكيل حكومة بمفرده”.

 

ثانيا: ائتلاف من ثلاثة احزاب معارضة ويعتبر ذلك ممكنا من الناحية النظرية، فقد حصل حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديمقراطي) على 25% من الأصوات و132 مقعدا نيابيا، وحزب العمل القومي (يميني) على 16,3% و80 مقعدا وحزب الشعب الديمقراطي (مناصر الأكراد-يساري) على 13,1 % و80 مقعدا. أي ما يشكل غالبية من 292 نائبا.

 

وصرح المتحدث باسم الحزب الذي احتل المرتبة الثانية بعد الحزب الحاكم خلوق كوتش بأن حزب الشعب الجمهوري قادر تماما على تشكيل حكومة.

 

الا أن احتمال التعايش بين القوميين والأكراد يبدو ضئيلا جدا. فحزب الشعب الديمقراطي القريب من حزب العمال الكردستاني يدعم عملية السلام بين الحكومة وزعيمه عبدالله أوجلان. لكن حزب العمل القومي يعتبر أوجلان “ارهابيا” ويدافع بشراسة عن وحدة تركيا، كما يرفض ذلك صراحة.

 

يبقى سيناريو تركيبة اخرى مؤلفة من حزبين فقط. وقال دنيز زيرك من صحيفة حرييت “إن ائتلافا ممكنا بين حزب الشعب الجمهوري وحزب العمل القومي قد يدعمه حزب الشعب الديمقراطي في البرلمان، الذي لن يشارك في الحكومة”.

 

وثمة ائتلاف آخر ممكن بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعب الديمقراطي يدعمه حزب العمل القومي فقط في البرلمان.

 

ثالثا: التحالف بين العدالة والتنمية وأي حزب آخر، وهي الفرضية المرجحة من قبل قادة حزب العدالة والتنمية وكتاب افتتاحيات الصحف. وأكد داود أوغلو بوضوح الأحد أنه لن يتخلى عن السلطة. وقال “إن هذه الانتخابات أظهرت مرة اخرى أن حزب العدالة والتنمية يشكل العمود الفقري للبلاد”.

 

وعلق نائب رئيس الوزراء نعمان كورتولموش بقوله “في الوقت الحاضر يبدو سيناريو (تشكيل ائتلاف) الأكثر ترجيحا”. واستطرد المتحدث باسم الحكومة بولنت أرينتش بتأكيده “أن أي تشكيل لن يوصد الباب مطلقا” أمام تحالف مع أحزاب أخرى للحكم.

 

لكن قبل الانتخابات رفضت أحزاب المعارضة الثلاث فكرة تشكيل ائتلاف مع حزب العدالة والتنمية تحت وصاية الرئيس الذي وصفته طيلة الحملة الانتخابية بـ”المستبد”.

 

رابعا: انتخابات جديدة في حال فشل المحاولات لتشكيل حكومة في غضون الأيام ال45 المقبلة، يمكن لرئيس الدولة أن يحل “الجمعية الوطنية الكبرى” ويدعو إلى انتخابات مبكرة بموجب الدستور.

 

وتبقى كل الخيارات مفتوحة بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات بين حزب العدالة والتنمية والأحزاب الأخرى.


إعلان