مواقع التواصل تتجاوز المحاضن التقليدية في تشكيل الشباب

شهد العالم العربي أواخر العام 2010 ومطلع 2011 هزات سياسية لم يكن أحدٌ يتوقع حدوثها بهذه السرعة، وبهذا القدر من التأثير، إذ وللمرة الأولى بالعصر الحديث تتمكن بعض الشعوب العربية من تحقيق أهدافها وتطلعاتها في نيل حريتها عن طريق ثورات شعبية أطاحت بحكام، بل وأنظمة شمولية حكمت شعوبها طوال عشرات السنوات. ثم سرعان ما أطلت علي تلك البلدان برؤوسها ثورات مضادة تتم عمليات مقاومة لها الآن.
وكان لمواقع التواصل الاجتماعي دور مشهود في نجاح ثورات الربيع العربي. وتحولت من كونها مواقع للتواصل الاجتماعي، وتكوين الصداقات، وتبادل الطرائف والأحاديث الجانبية، إلى مواقع للتداول السياسي، والحشد الجماهيري، للتعبير عن واقع حياتهم المعيشية في الاقتصاد والسياسة.
وتحول نشطاء الإنترنت ممن اعتادوا على قضاء معظم أوقاتهم خلف شاشات الكمبيوتر وفي غرف الشات والدردشة والفيسبوك، إلى موج بشري هادر في الشوارع والطرقات والميادين يهتفون بأعلى صوتهم ويرددون بصوت واحد “الشعب يريد إسقاط النظام”.
وقال نشطاء ومراقبون إن نشطاء الإنترنت نجحوا بتسليط الضوء على قضايا مهمة مثل الفساد والتعذيب في السجون والمعتقلات. و نجحت صفحة (كلنا خالد سعيد) في إطلاق الشرارة الأولى لثورة 25يناير”.
لكن التأثير الإيجابي لمواقع التواصل الاجتماعي لم يحل دون حدوث تأثيرات سلبية كبيرة على الفرد والأسرة معا. وقد تزايدت مؤخرا التحذيرات من الآثار الاجتماعية والنفسية الخطيرة على الأسرة جراء الاستخدام الخاطئ لهذه المواقع.
ومن أبرز مواقع التواصل الاجتماعية: (فيسبوك، تويتر، ماي سبيس، إنستغرام) ، وبحسب إحصائيات حديثة بلغت نسبة مستخدمي الفيسبوك في 22 دولة عربية حوالي 90 مليون مستخدم، وجاء في المركز الثاني “تويتر”، والذي يبلغ عدد مستخدميه 50 مليون عربي.
وتتصدر مصر الدول العربية من حيث استخدام الفيسبوك وتوتير في العالم العربي، حيث بلغ عددهم أكثر من 20 مليون مستخدم، شكّلوا نسبة بلغت 24% من إجمالي أعداد مستخدمي الفيسبوك العرب، وحوالي 10 ملايين مستخدم لتويتر، بينما تأتي في المركز الثاني السعودية
ويقول خبراء إن مواقع التواصل والهواتف النقالة أصبحت تسيطر تماماً علي وعي الفرد، وتشكل منظومة القيم، بعد أن كانت الأسرة والمدرسة والمسجد تلعب هذا الدور التي تحدد سلوكه الاجتماعي.
والأخطر أن هذه المواقع دشنت أنماطا جديدة من التواصل الافتراضي الذي حل محل الحوار والمحادثة بين أفراد الأسرة الواحدة، مما عزز العزلة والتنافر بين أفراد الأسرة.
وتوقع خبراء في علم النفس حدوث أمراض نفسية شديدة الخطورة للجيل القادم نتيجة للعزلة النفسية التي سيعيش فيها بسبب هذه المواقع، وبعد تراجع بيئة الحنان الأسري من حوار مشترك، وتبادل العواطف، وتناول الطعام على مائدة واحدة.
وذكرت دراسة بحثية تم تطبيقها علي عينات من الشباب بسلطنة عمان حول تأثير مواقع التواصل (الواتس أب، والفيسبوك) أن :” انتشار استخدام الواتس أب والفيسبوك بشكل كبير بين الفئات العمرية من 18 – 25، وهم الطلاب ذوو المستويات الجامعية والثانوية، وممن يملكون دخلاً اقتصاديًّا متوسطا، أمر أثر علي الشباب من الناحية الدينية والقيمية “.
وفي ذات السياق يقول د. إبراهيم اسماعيل عبده وهو أكاديمي وباحث مصري في دراسة له حول الإعلام الإليكتروني أن:” العلاقات الاجتماعية عبر الإنترنت، تنطوي علي فرص كامنة يمكن الإفادة منها واستثمارها بالطريقة الملائمة، وبما يتسق وخصوصية مجتمعنا العربي الإسلامي من جهة، كما تنطوي كذلك علي مخاطر مستترة غير ظاهرة قد تدفع إلى منزلقات مجتمعية تؤثر بالسلب علي مرتادي الإنترنت غير الواعيين بسلبيات هذه التقنية الحديثة غير المحدودة من جهة أخرى”.
وفي إطار حصرها للآثار السلبية المترتبة علي دخول مواقع التواصل الاجتماعي، نبهت دراسة سعودية متخصصة نشرت مطلع أبريل/ نيسان الماضي إلى” كثرة حالات الطلاق والخيانة الزوجية”، خاصة في ظل انتشار برامج التواصل الاجتماعي مؤخراً بشكل كبير ، ما زاد المشاكل الأسرية سواء على صعيد الأزواج أو الأبناء.
وفي معرض تطرقها لسبل العلاج تشير الدراسة التي أعدتها الباحثة والمحاضرة في قسم الاجتماع في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وفاء العجمي:” إلى ضرورة إنتاج برامج هادفة، ذات طابع تربوي أخلاقي، تعالج مشاكل الأبناء، والعمل علي إبراز هوية الأمة الثقافية وشخصيتها الذاتية، من خلال تشريع قوانين تحاسب الشركات التجارية في حالات مخالفة القيم والتقاليد بالمجتمع “،وتوعية الأسر بمخاطر تلك المواقع والسبل الصحيحة لاستخدامها، علي حد قولها.
وكانت وزارة الداخلية المصرية أعلنت عن إطلاق نظام لـ”رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي”، خاصةً موقعي “فيسبوك” و”تويتر”، داعيةً الشركات المتخصصة للتقدم بعروضها المالية والفنية لتنفيذ المشروع. وفيما أكد خبراء أمنيون ونشطاء حقوقيون أهمية متابعة ما يجري على شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أنهم حذروا من الخلط بين المتابعة والتدخل في الخصوصية، فضلا عن مخاطر الاختراقات للنظام المقرر تنفيذه، بما يمثل خطرا على المعلومات الخاصة بوزارة الداخلية والمستخدمين على السواء.
وبحسب “كراسة المواصفات” للمشروع ، فإن الوزارة تبرر مشروعها، بتزايد الأفكار الهدامة التي يتم نشرها عبر هذه الشبكات، ووجود 26 خطراً أمنياً.