الشعب اليوناني يقلب الطاولة على الدائنين

رفض الشعب اليوناني بأغلبية الثلثين شروط الدائنين، وقال 61% من اليونانيين “لا” كبيرة لخطة التقشف التي تقضي بخفض الرواتب والمعاشات وزيادة الضرائب، وذلك في استفتاء أجري أمس الأحد. في الوقت الذي اتهم فيه عدد من القادة الأوروبيين أثينا بـ”قطع الجسور” مع الاتحاد الأوروبي.
وسادت حالة من الغضب بين عدد من القادة الاوروبيين على خيار الشعب اليوناني، واعتبر رئيس وزراء مالية منطقة اليورو أن “النتيجة مؤسفة للغاية” لمستقبل اليونان، مضيفا ” أن الأمر يعود للسلطات اليونانية في أن تتقدم بخطط جديدة بعد رفض الناخبين “برنامج الانقاذ” ورأى وزير المال الفرنسي “ميشال سابان” أن “على الحكومة اليونانية تقديم اقتراحات، وأن الاستفتاء بحد ذاته لا يؤدي إلى اي حل”.
وقال وزير المالية الهولندي “يورين دايسلبوم” في بيان بعد رفض الشعب اليوناني لشروط الدائنين بأغلبية ساحقة “من أجل انتعاش الاقتصاد اليوناني لا يمكن تفادي تطبيق إجراءات و”إصلاحات” صعبة . سننتظر الآن مبادرات السلطات اليونانية”.
وعلقت الحكومة البريطانية بطريقة مواربة على نتيجة الاستفتاء وقالت إنها اخذت علما بـ “الرأي الحاسم” الذي عبر عنه اليونانيون برفضهم خطط الدائنين، وقال متحدث باسم “ديفيد كاميرون” رئيس الوزراء “إنها لحظة حرجة في الأزمة الاقتصادية اليونانية. وسنواصل القيام بكل ما هو ضروري لحماية أمننا الاقتصادي في هذه المرحلة الغامضة، وقد وضعنا خططا طارئة” موضحا أن رئيس الوزراء سيرأس اجتماعا “لمراجعة هذه الخطط “على ضوء نتيجة الاستفتاء اليوناني.
إلا أن الفشل الأوروبي في دفع الشعب اليوناني لقبول شروط صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي تم تعويضه بالتركيز على شخص وزير المالية اليوناني “يانيس فاروفاكس” ورفض التفاوض معه بعد أن اتهم أوروبا بممارسة الإرهاب ضد بلاده.
وأعلن “فاروفاكس” استقالته (الاثنين) غداة فوز حكومته بخروج نتيجة الاستفتاء كما أرادت، برفض اليونانيين بغالبية كبرى خطة الدائنين، وأوضح على مدونته الإلكترونية أنه “بعيد إعلان نتائج الاستفتاء أُبلغت بأن بعض أعضاء مجموعة اليورو و”الشركاء” يفضلون غيابي عن الاجتماعات، وهي فكرة رأى رئيس الوزراء (ألكسيس تسيبراس) أنها قد تكون مفيدة من أجل التوصل إلى اتفاق. ولهذا السبب أغادر وزارة المالية اليوم” ورأى أن نتيجة الاستفتاء الذي فاز به أنصار “لا” بنسبة 61,31% لها “قيمة مهمة مثل كل المعارك من أجل الحقوق الديموقراطية”.
وقال إن “الشرعية الكبيرة التي منحت لحكومتنا” يجب “توظيفها على الفور في “نعم” لحل مناسب” داعيا إلى اتفاق يتضمن “إعادة جدولة للدين وتخفيف للتقشف وإعادة توزيع لصالح الأكثر فقرا وإصلاحات حقيقية”. وأكد فاروفاكيس “سوف أتحمل باعتزاز كراهية الدائنين”.
وجاء رد أنصار الخط المتشدد حيال الدين اليوناني في أوروبا عنيفا على رفض اليونانيين خطط الدائنين واتهموا أثينا بـ”قطع الجسور” مع الاتحاد الأوروبي ملوحين باحتمال خروج هذا البلد من منطقة اليورو.
وأبدت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند حذرا في رد فعلهما الأولي فأكدا أنهما “متفقان على وجوب احترام تصويت المواطنين اليونانيين”. ودعا الزعيمان إلى قمة لمنطقة اليورو الثلاثاء في بيان صادر عن مكتب ميركل. وقد أكد رئيس مجلس أوروبا “دونالد تاسك” انعقاد القمة.
وأعلنت المفوضية الأوروبية أنها “تحترم” نتيجة الاستفتاء في اليونان، غير أن وزير الاقتصاد الالماني “سيغمار غابريال” رد بطريقة حادة، مؤكدا أنه بات من “الصعب تصور” إجراء مفاوضات جديدة مع أثينا، واعتبر “غابريال” في مقابلة مع صحيفة “تاغس شبيغل” أن “ألكسيس تسيبراس”رئيس الوزراء اليوناني “قطع آخر الجسور” بين بلاده وأوروبا.
ورأى رئيس مجموعة اليورو “يوروغروب” يروين ديسلبلوم أن نتيجة الاستفتاء “مؤسفة جدا لمستقبل اليونان” وأكد في بيان “من أجل انتعاش الاقتصاد اليوناني، لا بد من اتخاذ تدابير صعبة وإجراء “إصلاحات”. سوف ننتظر الآن مبادرات السلطات اليونانية”.
وأكد وزير المال السلوفاكي “بيتر كازيمير” الذي دائما ما يوجه انتقادات إلى أثينا، أن خروج اليونان من منطقة اليورو بات “سيناريو واقعيا” وقال رئيس الوزراء الفنلندي يوها سيبيلا إن “اليونانيين اختاروا عبر هذا الاستفتاء طريقا يحيط به الغموض لبناء مستقبلهم”.
لكن النبرة في روما كانت توافقية إذ أكد وزير الخارجية “باولو جنتيلوني” أنه على الأوروبيين “معاودة البحث عن اتفاق” للخروج من “المتاهة اليونانية”. وقال وزير المال النمساوي “هانس-يورغ شيلينغ” إن نتيجة الاستفتاء “مخيبة للآمال” لكن من الضروري “القبول بها”.
وأكد وزير المال البلجيكي “يوهان فان أوفرفلت” أيضا إن “علينا أن نرى ما سيكون عليه موقف الحكومة اليونانية في المفاوضات” في المستقبل. وأضاف ان المفاوضات المقبلة “لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تعرض للخطر مستقبل الاتحاد النقدي”.
وفي لشبونة، دعا الحزب الاجتماعي الديموقراطي الحاكم (وسط يمين) إلى التوفيق بين “التطلعات المشروعة لليونانيين” و”احترام قواعد الاتحاد النقدي”. لكن بابلو ايغليسياس رئيس حزب بوديموس الإسباني اليساري المعارض لليبرالية، رحب بانتصار “لا” في اليونان، معتبرا أن “الديموقراطية انتصرت في اليونان”. وقال “رافايل مايورال” المسؤول الآخر في حزب “بوديموس” متحدثا من اليونان، إن “الفرح يملأ مقر سيريزا” حزب رئيس الوزراء اليوناني “أليكسيس تسيبراس”.
وفي المقابل “رحب” زعيم حزب يوكيب اليميني البريطاني المعارض لأوروبا “نايجل فاراج” بالاستفتاء اليوناني، وأكد أن “المشروع الأوروبي في طريقه إلى الزوال”. ورحبت رئيس الجبهة الوطنية الفرنسية “مارين لوبن” بـ “درس رائع وكبير في الديموقراطية”. وقالت “إنها “لا” من أجل الحرية، وتمرد على الإملاءات الأوروبية التي تريد فرض العملة الموحدة بأي ثمن، عبر التقشف اللاإنساني وغير المنتج”.
وقال نائب لوزير الاقتصاد الروسي أليكسي ليخاتشيف الذي دعمت بلاده قرار تسيبراس إجراء هذا الاستفتاء، إن أثينا قامت “بخطوة نحو الخروج من منطقة اليورو”. لكنه أضاف أنه من المبكر القول ما إذا كانت اليونان “ستمضي حتى النهاية في هذا الطريق”. من جانبه، اعتبر “كونستانتين كوساتشيف” رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي أن هذه النتائج الأولى تؤكد “الثقة الكبيرة” للشعب اليوناني بحكومة “تسيبراس”.
وقال كزافييه تيمبو من المرصد الفرنسي للأوضاع الاقتصادية “لا يمكنني تصور الدائنين يقدمون تنازلات” مضيفا “هناك جزء من الرأي العام الأوروبي ولا سيما في ألمانيا ودول البلطيق، معارض لتقديم تنازلات” وقالت أنياس بيناسي-كيري من كلية الاقتصاد في باريس إن “أثينا في وضع في غاية التعقيد فهي بحاجة إلى تمويل خارجي لتسديد ديونها انما كذلك لاستكمال مواردها المالية من أجل دفع رواتب موظفيها”.
وفي مقابل هذه الحاجات الهائلة فإن الاقتصاد اليوناني الخاضع منذ أسبوع لرقابة على الرساميل بات معطلا ووحده البنك المركزي الأوروبي يؤمن استمرارية البلاد ماليا من خلال مواصلة إمداد المصارف اليونانية بالسيولة عبر قروض طارئة قيمتها مجمدة حاليا.
ولمواجهة نقص السيولة ودفع رواتب موظفيها فإن الحكومة قد تلجأ إلى اعتماد عملة “موازية” تعرف باسم “آي أو يو” بحسب الأحرف الأولى لعبارة “أنا أدين لك” بالإنجليزية وهي بمثابة إقرار بالدين سوف يمتد استخدامها إلى القطاع الخاص بعد وضعها في التداول.
وانتابت القادة الأوربيين حالة من الهيجان بعد رفض الشعب اليوناني شروط الدائنين، واتصل رئيس المفوضية الأوروبية “جان كلود يونك”ر في مؤتمر عبر الهاتف مع ثلاثة قادة أوروبيين هم: يروين ديسلبلوم رئيس مجلس وزراء مالية دول منطقة اليورو ودونالد تاسك رئيس المجلس الأوروبي وماريو دراغي رئيس البنك المركزي الأوروبي.
كما يجتمع مدراء وزراء المالية في منطقة اليورو ببروكسل في إطار مجموعة عمل اليورو وهي هيئة تحضيرية لاجتماع وزراء مالية دول منطقة اليورو. ويجتمع محافظو البنك المركزي الاوروبي بحسب ما اعلن محافظ البنك المركزي النمساوي.