البحث المستحيل عن حقوق الإنسان العربي

(أرشيفية)
شهد العالم العربي انتهاكات لحقوق الانسان تثير الفزع، وبات البحث عن حقوق الانسان أقرب الى المستحيل في ظل الأوضاع السائدة، خاصة في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن وفلسطين، وتعرض المدنيين في قطاع غزة إلى عدوان الدموي إسرائيلي وحشي، بينما غدت ليبيا باطراد أشبه بدولة فاشلة تجتاحها حرب أهلية بدائية. وظل اليمن كذلك مجتمعاً تحكمه الانقسامات، وتواجه سلطاته المركزية تمرداً حوثيا في الشمال، وحركة انفصالية لا تخفي أهدافها في الجنوب، في حين تدهورت الاوضاع بشكل كبير في مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو.
وتبدو الآمال العريضة في التغيير، التي حركت انتفاضات شعبية هزت أركان العالم العربي في 2011 ، وأسقطت حكاماً طالما عضّوا على السلطة بالنواجذ، في تونس ومصر وليبيا واليمن، مجرد ذكرى باهتة بعيدة. وكان الاستثناء الوحيد في تونس، حيث مرت انتخابات برلمانية جديدة بسلاسة في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، واتخذت السلطات بعض الخطوات، على الأقل، لملاحقة المسؤولين عن إرث الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان. كما يقول تقرير لمنظمة العفو الدولية عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي كما رصدها حتى نهاية العام الماضي.
أما في مصر، في المقابل، فليس ثمة ما يبعث على الكثير من التفاؤل. فقد تسلم الجنرال العسكري الذي تولى إقصاء أول رئيس منتخب للبلاد بعد الثورة، في 2013 ، مقاليد الحكم عقب الانتخابات، وواصل حملة قمعية لم تستهدف حركة “الإخوان المسلمين” وحلفاءهم فحسب، وإنما ناشطين سياسيين من أطياف أخرى عديدة، وكذلك عاملين في الإعلام وناشطين من أجل حقوق الإنسان؛ فسُجن الآلاف، وحُكم على المئات بالإعدام. وفي الخليج، لم تألُ السلطات في البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة جهداً لكتم أنفاس المعارضين، واجتثاث أي علامة على معارضة من هم في سدة السلطة، واثقة من أن حلفاءها الرئيسيين في الديمقراطيات الغربية سيشيحون بوجوههم عما يحدث.
وشهد العام الماضي كذلك وحشية لاإنسانية اعتمدتها الجماعات المسلحة المنخرطة في النزاع المسلح في سوريا والعراق، ولا سيما تلك الجماعة التي تطلق على نفسها اسم “الدولة الإسلامية”، الدولة الإسلامية في بلاد الشام والعراق، ” داعش” سابقاً. ففي سوريا، سيطر مقاتلو “الدولة الإسلامية” وغيرها من الجماعات المسلحة على
مناطق شاسعة من البلاد، بما في ذلك قسم كبير من المنطقة التي تضم حلب، كبرى مدن سوريا، وفرضوا “عقوبات” شملت القتل على مرأى من الملأ وقطع الأطراف والجلد، على ما اعتبروه تجاوزات لرؤيتهم للشريعة الإسلامية. وتمكنت “الدولة الإسلامية”، كذلك، من الهيمنة على مناطق سنيّة رئيسية في العراق، لتفرض حالة من الرعب على الأهالي، وتقتل مئات الجنود الحكوميين وأبناء الأقليات، وكذلك أبناء القبائل التي تعارضهم.
واستهدف تنظيم “الدولة الإسلامية” كذلك الأقليات الدينية والإثنية، فهجر المسيحيين وأكره آلاف الأيزيديين، وغيرهم من الأقليات، على الفرار من ديارهم وأراضيهم. واصطادت قوات “الدولة الإسلامية” رجال الطائفة الأيزيدية وصبيانها في عمليات قتل أشبه بالإعدام الفوري، واختطفت مئات النساء والفتيات الأيزيديات واستباحتهن رقيقاً لرجالها ولغيرهم، وأكرهت العديد منهن على أن يصبحن “زوجات” لمقاتليها، الذين ضمت صفوفهم آلاف المتطوعين الأجانب من أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا وشمال أفريقيا والخليج وأماكن أخرى.
وبخلاف العديد من الجماعات التي تقترف القتل غير المشروع ولكن تسعى إلى ارتكاب جرائمها سراً، تباهت “الدولة الإسلامية” بوحشيتها وجرائمها بعنجهية. فعملت بحرص على أن يكون مصوِّروها جاهزون لتصوير بعض أكثر أفعالها فظاعة، بما في ذلك قطع رؤوس الصحفيين، والعاملين في مضمار المساعدات، والجنود اللبنانيين والعراقيين الأسرى. ولتقوم بعد ذلك بترويج ذبحها للبشر في أشرطة فيديو استعراضية منمقة، رغم بشاعتها، على مواقع الإنترنت، بغرض الدعاية لنفسها، ولتوظيفها في صفقاتها لتبادل الأسرى، وفي تجنيد من يستهويهم القتل.
وشنت القوات الحكومية السورية هجمات عشوائية على مناطق لجأ إليها المدنيون، مستخدمة طيفاً واسعاً من الأسلحة الثقيلة، بما فيها البراميل المتفجرة، ونيران الدبابات والمدفعية؛ وفرضت حصارات طويلة غير محدودة على المدن والقرى حرمت المدنيين من الحصول على الغذاء والماء والمواد الطبية؛ وهاجمت المستشفيات والعاملين الطبيين. كما واصلت احتجاز أعداد كبيرة من منتقديها ومَن اشتبهت بأنهم يعارضونها، وأخضعت العديد من هؤلاء للتعذيب ولظروف احتجاز مضنية، وارتكبت أعمال قتل غير قانونية.
وفي غضون ذلك، واصلت روسيا توفير الغطاء للحكومة السورية في الأمم المتحدة، إلى جانب مدّها بالأسلحة والذخائر لمواصلة جهودها الحربية، دونما اعتبار لجرائم الحرب وسواها من الانتهاكات الخطيرة المرتكبة من جانب السلطات السورية.
وفي العراق أغرقت الحكومة قوات الأمن بالميليشيات الشيعية الموالية للحكومة، واطلقت يدها في المجتمعات السنية التي أرتؤي أنها تناهض الحكومة أو تتعاطف مع “الدولة الإسلامية”، بينما كانت هي نفسها تشن هجمات جوية عشوائية على الموصل وسواها من المراكز الحضرية التي تسيطر عليها قوات “الدولة الإسلامية”. وفي اليمن، بينما شهد الصراع بين الحكومات والجماعات المسلحة غير الحكومية تطورات اتخذت طابعاً عابراً للحدود بشكل مطرد. وواصلت قوات الولايات المتحدة شن هجمات بواسطة طائرات بلا طيار في اليمن والعراق وسوريا ، وبوسائل أخرى، وأوقعت إصابات بين المدنيين رغم استهدافها لمقاتلي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.
وكما في معظم نزاعات عصرنا هذا، دفع المدنيون مجدداً أبهظ الأثمان جراء القتال، وجراء تجاهل القوات المتحاربة التزاماتها التي تقضي بتحييد المدنيين. ففي حرب الأيام الخمسين بين إسرائيل و”حماس” وسواها من الجماعات الفلسطينية المسلحة في غزة، بلغ حجم الدمار والأضرار والموت والإصابات في صفوف المدنيين الفلسطينيين وبيوتهم ومرافق بنيتهم التحتية حدوداً تفوق الخيال. إذ شنت القوات الإسرائيلية الهجمات على المباني السكنية، ما أدى، في بعض الحالات، إلى إبادة عائلات بأكملها، وعلى المرافق الطبية والمدراس. ودمرت البيوت والبنية التحتية المدنية عن سابق إصرار. ففي غزة، قتل ما يربو على 2,265 من الفلسطينيين، تبين أن نحو 1,500 منهم هم من المدنيين، وأن بينهم ما يزيد على 500 طفل.
وفاقم الحصار الجوي والبحري والبري الذي فرضته إسرائيل على غزة، وظل محكماً باستمرار منذ 2007 ، من الآثار المدمرة لحرب الخمسين يوماً، وعرقل كل جهد لإعادة البناء بصورة حثيثة، وارتقى إلى مستوى العقوبة الجماعية – وهي جريمة بموجب القانون الدولي- لأهالي القطاع، البالغ عددهم 1.8 مليون فلسطيني.
وبلغت التوترات السياسية، وسواها من التوترات، المضطرمة في مختلف أرجاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العام الماضي ، ذروتها في البلدان التي مزقتها النزاعات المسلحة، ولكن ظلت أوجه القصور المؤسسية وسواها من نقاط الخلل التي عمت الإقليم ككل سبباً ساعد على تأجيج هذه التوترات من جهة، وحال دون التخفيف منها عندما اندلعت. وشمل ذلك الغياب العام لروح التسامح لدى الحكومات، ولدى بعض الجماعات المسلحة غير الحكومية، إزاء الانتقادات أو المواقف المغايرة؛ وضعف أو انعدام الهيئات التشريعية التي كان من الممكن أن تقوم بضبط انفلات الانتهاكات من جانب السلطات التنفيذية، أو بمواجهة هذه الانتهاكات؛ وغياب الاستقلالية لدى السلطة القضائية وإلحاق نظام العدالة الجنائية بإرادة الهيئة التنفيذية؛ وانعدام المساءلة، بما في ذلك عندما كان الأمر يتعلق بالتزامات الدول الواجبة عليها بمقتضى القانون الدولي.