العبادي يقر إصلاحات على وقع احتجاجات شعبية

مجلس الوزراء العراقي برئاسة حيدر العبادي ـ أ ف ب

بعد أسبوع واحد من المظاهرات الغاضبة في عدد من المدن العراقية ضد الفساد وتدهور الأوضاع الاقتصادية وعدم توفر الخدمات، أقر مجلس الوزراء العراقي، في جلسة استثنائية، إصلاحات جديدة أعلنها رئيس الحكومة “حيدر العبادي” ردا على احتجاجات ضد الفساد والنقص في الخدمات. تتضمن الإصلاحات  إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، التي يشغل أحدها رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” وذلك بعدما دعا المرجع الشيعي “آية الله علي السيستاني” الحكومة إلى اتخاذ خطوات إصلاحية.

ووافق مجلس الوزراء العراقي بالإجماع على تلك الحزمة الأولى من الاصلاحات قبل إحالتها إلى مجلس النواب للمصادقة عليها، إذ أن بعضها قد يتطلب تعديلا دستوريا، وبالتالي من المرجح أن يستغرق تطبيقها بعض الوقت.

وبالرغم من الضغط الشعبي ودعم “السيستاني” لرئيس الوزراء “حيدر العبادي” تبقى جهود الإصلاح في العراق صعبة جدا نتيجة الفساد المنتشر في المؤسسات واستفادة كافة الاطراف السياسية منه فعليا.

ومن أبرز الاصلاحات التي أعلنها العبادي “إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء فورا”. ويشغل مناصب نواب رئيس الجمهورية الثلاثة، وهي فخرية أكثر منها تنفيذية، زعماء الأحزاب السياسية التي تحكم البلاد، وهم: نوري المالكي (دولة القانون) ورئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي (متحدون) ورئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي (الوطنية).

وتشغل ثلاث شخصيات سياسية مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء، وهم بهاء الأعرجي، عن التيار الصدري، وصالح المطلك، زعيم الكتلة العربية (أحد التيارات السنية) وروش نوري ساويش، القيادي في التحالف الكردستاني.

وفي بيانين منفصلين، أكد المالكي وأسامة النجيفي دعمهما للإصلاحات في إاشارة إلى أنها قد تكون جزءا من اتفاق. وقال المالكي على تويتر “نجدد موقفنا الداعم للإصلاحات التي تقتضيها العملية السياسية والتي وجهت بها المرجعية الدينية العليا السيد رئيس مجلس الوزراء”.

إلا أن ائتلاف الوطنية في البرلمان العراقي  بزعامة “إياد علاوي” حذر من نشوء “ديكتاتورية جديدة”  تعيد البلاد  إلى حقب سوداء طواها الزمن. رغم ترحيبه بأي قرار يؤدي إلى  تلبية مطالب شعب العراق، وقال إن “ائتلاف الوطنية الذي قارع ديكتاتورية النظام السابق وفردية القرارات بعد 2003 يحذر شعبنا الكريم من نشوء ديكتاتورية جديدة وتفرد تحصر الصلاحيات بيد شخص واحد ما يعيدنا إلى حقب سوداء طواها الزمن”.

وأوضح :”لابد أن نذكر أن اختيار رئيس مجلس الوزراء تم على أساس حكومة الشراكة الوطنية وبتوافق سياسي حيث توقعنا أن تتوافق الكتل السياسية  باتخاذ قرارات الإصلاح التي أصبحت أكثر من ضرورية وأن لا تنفرد جهة  واحدة بذلك”.

وتنص الإصلاحات أيضا على “تقليص شامل وفوري في أعداد الحمايات لكل المسؤولين في الدولة بضمنهم الرئاسات الثلاث، ويتم تحويل الفائض إلى وزارتي الدفاع والداخلية حسب التبعية لتدريبهم وتأهيلهم”.

وتتضمن الإصلاحات “إبعاد جميع المناصب العليا من هيئات مستقلة ووكلاء وزارات ومستشارين ومديرين عامين عن المحاصصة الحزبية والطائفية” على أن “تتولى لجنة مهنية يعينها رئيس مجلس الوزراء اختيار المرشحين على ضوء معايير الكفاءة والنزاهة”.

كما تشمل “إلغاء المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين منهم” و”فتح ملفات الفساد السابقة والحالية تحت إشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد تتشكل من المختصين، ودعوة القضاء إلى اعتماد عدد من القضاة المختصين المعروفين بالنزاهة التامة للتحقيق فيها ومحاكمة الفاسدين”.

ولم يوضح البيان ماهية “المخصصات الاستثنائية” إلا أن الموظفين الحكوميين يتمتعون برواتب مرتفعة فضلا عن سيارات توفرها الحكومة بالإضافة إلى مخصصات تقاعد مرتفعة.

وكان “السيستاني” قد دعا “العبادي” إلى أن “يكون اكثر جرأة وشجاعة في خطواته الإصلاحية” وأن يضرب الفساد “بيد من حديد” وإلى تعيين المسؤولين بناء على الكفاءة وليس على أساس الانتماءات الحزبية أو الطائفية. وقال وكيل السيستاني “أحمد الصافي” في خطبة الجمعة في كربلاء إن على العبادي أن “لا يكتفي ببعض الخطوات الثانوية التي أعلن عنها مؤخرا بل أن يسعى إلى أن تتخذ الحكومة قرارات مهمة وإجراءات صارمة في مجال مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية”.

وفي الشارع العراقي سادت حالة من التفاؤل المشوب بالقلق، وقال “نبيل جاسم” وهو أحد منظمي التظاهرات في بغداد “أعتبرها بداية للإصلاح، لكن علينا ان نراقبها ونرى مدى صدقيتها وجدية إجراءاتها”.

وأضاف “جاسم” وهو إعلامي ومقدم برامج حوارية سياسية تثير قضية الفساد الحكومي “إذا نجحت هذه الخطوة في ضرب مكامن الفساد والاعوجاج من رأس الهرم، فأعتقد أنها الخطوة الأولى في عملية الإصلاح في البلاد”. وتابع “علينا ان نراقب جدية التنفيذ وعلى أساسها، نقيم”.

وبرغم إعلان الإصلاحات، سيواجه العبادي تحديات كثيرة في ظل الفساد المنتشر في المؤسسات العراقية. وفي هذا الصدد يقول “زيد العلي” مؤلف كتاب “الصراع من أجل مستقبل العراق” إن “نظام الحكومة فاسد بالكامل والنظام الدستوري بال والإطار القانوني غير ملائم كما أن الطبقة السياسية فاسدة بالكامل وغير مؤهلة”. ويضيف هذا الخبير الدستوري إن “كل الأحزاب السياسية التي تشارك في الحكومة تستفيد مباشرة من النظام الحالي، ولذلك فهو لم يتغير منذ العام 2005”.

وتشهد العديد من مدن العراق للأسبوع الثاني على التوالي حركة احتجاجية على نقص الخدمات وخصوصا انقطاع التيار الكهربائي في الوقت الذي تعاني فيه البلاد ارتفاعا غير مسبوق في درجات الحرارة.

ويعاني البلد من نقص حاد في إنتاج الطاقة الكهربائية رغم المبالغ الطائلة التي انفقت على ملف الطاقة منذ العام 2003. ويعتبر المتظاهرون أن النقص في الخدمات يعود إلى الفساد وغياب الكفاءة لدى الطبقة السياسية. وأعربت كتل وتيارات سياسية ممثلة في الحكومة عن تأييدها نظريا على الأقل، للتظاهرات.

من جهته قال المحلل السياسي “أحمد يونس” إن الفساد والضغوط الاقتصادية والمعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية “دفعت العبادي مع البلد إلى حافة الانهيار”. وتابع “دعوة السيستاني للعبادي لاتخاذ قرارات جريئة كانت تمثل الدعم المثالي وفي الوقت المناسب. الدعوة أعطت العبادي القوة ومنحته الحصانة ضد أي معارضة محتملة”.


إعلان