تونس: الثورة المضادة تعرقل مكافحة الفساد

مظاهرة في تونس ضد قانون المصالحة
( ا ف ب)

أثارت المظاهرات في تونس الرافضة لمشروع قانون المصالحة مع رجال أعمال متهمين بنهب المال العام زمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي السبت ، التساؤلات بشأن مدى نجاح ثورات الربيع العربي في مواجهة الفساد، أو الحد من آثاره.

فقد تفجرت الثورات العربية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا؛ بينما كانت النظم الاستبدادية بهذه الدول قد أحكمت قبضتها على مقدرات المجتمع سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، وماهي إلا أشهر حتى تمكنت شبكة أصحاب المصالح الحريصين على استمرار النظم الاستبدادية الفاسدة من إفشال هذه الثورات من خلال ما عرف بـ”الثورة المضادة”.

وقد تباين أداء دول الربيع العربي على مقياس مؤشر الفساد عام 2011 فقد حققت تونس 3.8 ومصر 2.9 وليبيا 2 واليمن 2.1 وسورية 2.6، وتعد ليبيا واليمن الأسوأ بين دول ثورات الربيع العربي على مقياس مؤشر الفساد.

ومن بين 22 دولة عربية أعلنت 16 دولة التزامها بتنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد من خلال التشريعات، أو إنشاء هيئات متخصصة لمكافحة الفساد، أو من خلال وضع استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد.

كانت تونس أولى محطات الربيع العربي، وفيها يتواصل الجدل الآن حول ما يصطلح على تسميته بمشروع قانون “المصالحة الوطنية” أو “المصالحة الاقتصادية” الذي عرضه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي منتصف شهر يوليو/ تموز الماضي وصادق عليه مجلس الوزراء.

 

مصالحة أم انتكاسة

ويهدف المشروع، الذي صيغ تحت عنوان “قانون أساسي خاص بالمصالحة في المجال الاقتصادي والمالي”، إلى طي صفحة الماضي وإغلاق الملفات المرتبطة “بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام.

وقد شارك مئات التونسيين في مسيرة في العاصمة تونس أمس السبت للاحتجاج على مشروع القانون والعفو عن رجال أعمال متهمين بالفساد خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، ونزل المحتجون إلى الشوارع رافعين لافتات تعبر عن رفضهم لمشروع القانون المقترح الذي يهدف إلى تبرئة رجال أعمال متهمين بالفساد في حقبة بن علي مقابل ثرواتهم التي حصلوا عليها بطرق غير مشروعة والتي تقول الحكومة إنها ستضخ الأموال التي يحتاج إليها اقتصاد البلاد.

لكن المنتقدين يقولون إن القانون سيكون انتكاسة لتونس بعد نحو خمس سنوات على انتفاضة ضد الفساد والانتهاكات وضعت حدا لحكم بن علي، وأتاحت لتونس الانتقال إلى الديمقراطية وإجراء انتخابات حرة ووضع دستور جديد، وسيوقف القانون جميع الملاحقات القضائية بحق سياسيين سابقين، ورجال أعمال متهمين بالفساد إذا أعادوا ما استولوا عليه من ثروات.

ويقول المنتقدون أيضا إن القانون المقترح سيغطي على فساد الحقبة السابقة، وسيتيح عودة النخبة التي استفادت من سنوات حكم بن علي.

70 ألف قضية فساد

وكانت مصر المحطة الثانية من محطات الربيع العربي في يناير 2011، وقد ذكر التقرير الثالث للجنة الشفافية والنزاهة التابعة لوزارة التنمية الإدارية أن الجهاز الإداري للدولة يفرز كل عام ما يزيد على 70 ألف قضية فساد مختلفة يحفظ منها 40 ألفا، ويحكم في أقل من ألفين.

هناك خمسة مجالات تعتبرها منظمة الشفافية الدولية من أكثر المجالات لممارسة الفساد في الدول النامية هي : المشتريات الحكومية، وتقسيم وبيع الأراضي والعقارات، ونظم الجباية الضريبية والجمركية، والتعيينات الحكومية، وإدارات الحكم المحلي بالمحافظات.

ولكن في الحالة المصرية وصلت إلى 16 مجالا حسبما جاء في دراسة اقتصاديات الفساد في مصر للخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق هي: المقاولات وتخصيص الأراضي، وعمولات التسليح، والاتصالات، والخصخصة، والبنوك وتوظيف الأموال، وتجارة المخدرات، والعملة، والدعارة، ونظم الاستيراد، ومشروعات المعونة الأمريكية، والصحافة، وعلاوة الولاء بالجيش والشرطة، والدروس الخصوصية، ومجالات الخدمة الصحية، والبورصة، وسوق التأمين.

وهناك من أنصار ثورة يناير من أبدى مخاوفه من أن النظام الذي قاد البلاد بعد الانقلاب ضد محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب، أقر تشريعات من شأنها فتح الطريق أمام المزيد من حماية الفساد في مصر.

ويرى هؤلاء أن القرار الجمهوري رقم 32 لسنة 2014 بشأن تنظيم بعض إجراءات الطعن على عقود الدولة، وجاء هذا القرار من مادتين وقصر حق الطعن على العقود المبرمة بين الدولة، والمتعاملين معها على طرفي التعاقد فقط، وأوجب على المحكمة رفض الدعاوى الخاصة بالطعون على مثل هذه التعاقدات من تلقاء نفسها.

وهذا التشريع يمكن بحسب منتقديه أن يفتح أبواب الفساد على مصاريعها؛ خاصة أن معظم القضايا الخاصة بالخصخصة وتخصيص الأراضي في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك مطعون على صحتها لما شابها من فساد، وقد صدر بحق الكثير منها أحكام قضائية بفسخ هذه التعاقدات.

ويشير المنتقدون أيضا إلى القانون رقم 82 لسنة 2014 بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 89 لسنة 1998 الخاص بإصدار قانون المناقصات والمزايدات، وجاء التعديل لينص على استثناء بعض الأعمال الحكومية التي تخضع لقانون المناقصات والمزايدات، وذلك في الحالات العاجلة التي لا تحتاج إلى الانتظار، وهو استثناء فضفاض قد يفتح أبواب الفساد من خلال تجزئة العمال لكي تخضع لحدود التكلفة التي تسمح لهم بتنفيذ الأعمال بالأمر المباشر.

تأتي هذه التطورات بينما يشدد المجتمع الدولي من خطواته لمحاصرة الفساد، وهو ما نادت به ثورات الربيع العربي وتعرضت إلى ثورات مضادة عنيفة نجحت في حصارها في مواقع عديدة.

فقد تجمع ما يقرب من 1200 شخص من 130 دولة في  ماليزيا يوم الخامس من أغسطس/آب الجاري لمناقشة واحدة من أكبر التحديات التي تواجه العالم: كيف يساهم الإفلات من العقاب في انتشار الفساد؟.

واجتمع المندوبون لإيجاد إستراتيجيات فعالة لوقف الإفلات من العقاب ومحاسبة أولئك الذين يستفيدون من إساءة استخدام السلطة، والصفقات السرية والرشوة، الحكومات التي تعاني من المحسوبية، والقادة الذين يعيدون كتابة الدساتير لتمديد أمد سلطتهم، والديمقراطيات الهشة التي استولت عليها المصالح الخاصة، تخلق مناخا يزدهر فيه الفساد ويسود الإفلات من العقاب. الإفلات من العقاب يغذي الفساد الكبير: إساءة استخدام السلطة العليا التي تستأثر بها النخبة القليلة على حساب الآخرين مسببين ضررا جسيما للأفراد والمجتمع على نطاق واسع.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان