الضربات الروسية في سوريا اختبار حقيقي لبقية الأطراف


الضربات الجوية الروسية لبعض مواقع المعارضة السورية تضع الأطراف الأخرى الفاعلة في الأزمة السورية في اختبار حقيقي لمدى جديتها في تنفيذ ما تقول وما تهدد به، خاصة أن موسكو أعلنت أنها أخطرت العواصم الكبرى وعلى رأسها واشنطن بهذه الضربات قبل أن تبدأ..
روسيا التي أخذت بزمام المبادرة، وارسلت طائراتها حتى قبل ان تحصل على تفويض برلماني بذلك، أرادت إرسال رسالة للجميع ان سوريا ستكون من نصيبها في معركة توزيع النفوذ وإعادة تقسيم المنطقة وفق “سايكس بيكو” جديدة.
ردود الأفعال حتى الآن على الضربات الروسية لم تأت على مستوى الحدث، بل لعل بعضها كشف تنسيقا مسبقا في إطار عملية تقاسم النفوذ، وإعادة هندسة المنطقة، وفي هذا الإطار جاء تصريح جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الذي أعرب فقط عن خشيته ان تطول الضربات الجوية الروسية مدنيين أبرياء، أي أنه ليس ضد الضربات من حيث المبدأ ولكنه ضد إطالتها، ومن الواضح أن هذا التخوف أيضا ليس جادا بل هو لمجرد الاستهلاك الإعلامي، إذ إن روسيا لا تجرؤ على هذه العمليات دون التوافق مع واشنطن عليها، ولعل اللقاء الذي تم بين الرئيسين أوباما وبوتين في نيويورك يوم الإثنين على هامش اجتماعات الأمم المتحدة مهد لهذه الضربات، وبالأحرى لهذا الدور الروسي في سوريا، فرغم ان الضربات طالت بالفعل مدنيين عزلا، وتركزت على أماكن ليست لتنظيم داعش إلا أن الإدارة الأمريكية لم تهتم كثيرا بذلك وخرجت تلك التصريحات الخجولة من كيري الذي ابلغ نظيره الروسي سيرغي لافروف الاربعاء استياء واشنطن من الضربات الجوية الروسية في سوريا، والذي اوضح له ان التحرك الروسي “يتعارض مع جهودها المعلنة لنزع فتيل النزاع ولا يصب في مصلحة هذه الجهود”.
وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد اعلن الثلاثاء أن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا على “بعض المبادئ الأساسية” .
وقال في مقابلة تلفزيونية مع شبكة إم.إس.إن.بي.سي. “هناك اتفاق على أنه يجب أن تكون سوريا دولة موحدة وعلمانية وأن هناك حاجة إلى التصدي لتنظيم داعش وإنه يجب أن تكون هناك عملية انتقال سياسي موجهة” مضيفا أنه لا تزال هناك خلافات على النتيجة التي ستسفر عنها عملية الانتقال.
وأضاف كيري أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين “يبحثان عن طريق للمضي قدما” في سوريا التي تعاني من حرب أهلية مستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام علاوة على صعود تنظيم الدولة الإسلامية.
وقال كيري “الكل يفهم أن سوريا في خطر والعالم يبحث سريعا عن أي حل.”
وأضاف “نبحث عن سبيل لنصل إلى نقطة تمكننا من إدارة عملية انتقالية والاتفاق على النتيجة.”
تظهر الضربات الروسية نجاح موسكو في تسويق رؤيتها للتعامل مع الأزمة السورية والتي تركز على حشد الجهد الدولي لضرب تنظيم داعش بدلا من التركيز على ضرب معاقل قوات الأسد، بل الإبقاء على الأسد كمفتاح للحل على عكس الرؤية الأمريكية والغربية المعلنة بل على خلاف الرؤية الخليجية بقيادة السعودية والتي ترى ضرورة اختفاء بشار كبداية للحل، ولم تقتصر موسكو على إطلاق مجرد تهديدات كما فعل غيرها بل إنها حركت أحدث طائراتها الحربية من طراز إس يو-34 فولباكس إلى سوريا لتثبيت حكم حليفها بشار الأسد وتوطئة لنفوذ طويل وممتد في سوريا تنطلق منه إلى أماكن اخرى في المنطقة.
يمكن النظر إلى الموقف الإسرائيلي باعتباره مؤشرا على المزاج الأمريكي والغربي الحقيقي تجاه التدخل الروسي في سوريا، حيث رحبت إسرائيل بهذا الدور الروسي الذي يطيل امد الحرب في سوريا، وبالتالي يوفر قدرا من الأمان لإسرائيل من جبهتها الشرقية، وقد أعلن مسئولون إسرائيليون عن التوصل إلى تنسيق عملياتي مع الجانب الروسي فيما يخص الضربات الروسية لمواقع المعارضة السورية حيث تبلغ روسيا إسرائيل اولا بأول بعملياتها، وربما يكون هناك تعاون في المجال المعلوماتي واللوجستي.
يعيد التدخل الروسي في سوريا إلى الذاكرة ذكريات نظيره في افغانستان في عهد الاتحاد السوفيتي والذي استمر عشر سنوات، ( دخلت القوات السوفيتية كابل في 25 ديسمبر 1979 وانسحبت بشكل نهائي في 15 فبراير1989)، وتتشابه الحالة في سوريا مع نظيرتها في أفغانستان إلى حد كبير حيث الجماعات الإسلامية المسلحة هي الهدف للجيش الروسي في الدولتين، وربما كان وجه الاختلاف الوحيد هو وجود إسرائيل على حدود سوريا وهو ما يعقد الأمور بدرجة كبيرة.