“جمعة الغضب” .. مشهد من الثورة المصرية


كان أذان الجمعة في ذلك اليوم مختلفا عن أي أذان آخر في مصر، فكل صوت إمام على المنبر كان صوتا ينادي بالحرية ، سواء كان ذاك المسجد في شبرا أو الجيزة أو ميدان التحرير أو مصر الجديدة أو المطرية أو ربما في السيدة زينب..
مساجد مصر كلها كان لها دور عظيم في ذلك اليوم ، كما كانت الصلاة يومها ، فعقب انتهاء الائمة من الصلوات ، ومع التسليم الأخر ، دوت في أروقة المساجد الهتافات النابعة من القلوب قبل الحناجر مطالبة بسقوط النظام، وكانت خطب الجمعة في ذلك اليوم حماسية تؤيد خروج الرعية في وجه حاكم ظالم مستبد ، وتدعو المصلين لقول كلمة حق في وجه سلطان جائر… إنها جمعة الغضب ..
لم تفلح الحشود الأمنية المرتعدة – على كثرتها – في محيط المساجد في إثناء جموع المصلين عن الانتفاض متحدين الهراوات و الغاز والرصاص ، فرفع الآذان للصلاة يومها ، كان إيذانا بانتهاء عصر لن يعود ، لتنطلق المسيرات فينضم اليها أقباط مصر الذين كانوا ينتظرون انتهاء الصلاة خارج المساجد ، وليبدأ طوفان الاحتجاج ، لتصب أمواجه في ميدان التحرير .

تشابكت الخطوط لرسم ثورة مصرية احتفظت لنفسها بقسمات خاصة ، كان للشعب فيها اليد العليا ، وبلوحة تفور ألوانها من الغليان ، لتحرق وجوها اعتادها المصريون لعقود ، ودوى الرصاص الحى للمرة الأولى في أزقة الهرب و ميادين الاشتباك، حرقت أقسام الشرطة، ونهبت جُل المحال في مصر في ساعات انشغل فيها الثوار بكتابة سطر في تاريخ مصر ، انقطعت الاتصالات، وتوقفت الهواتف ، لكن أنفاسا ملتهبة في صدور الفقراء لم تتوقف ، فالـ”غضب” أبدا لم يكن شعارا للثورة ، بل صار أيقونة ، ومشهدا أخيرا لنظام بغى وتجبر لعقود …
“كوبرى قصر النيل” ملحمة مصرية لن ينساها التاريخ.. ذلك الكوبري المحدود الجوانب ، كأنما انفرجت أسواره لتتسع لتحتضن كل المصريين ، ولتنطلق من على ظهره هتافات لم يكن أبدا متفق عليها ، لكنها تلاقت هناك ، مدرعات الأمن وطلقات الرصاص الحى وقنابل الغاز التي رسمت بأدخنتها صورة مصر الجديدة لم تكن غائبة عن المشهد ، وخراطيم المياة لم تفلح في إطفاء حرارة الأجساد ولا القلوب الثائرة ، ليظل هذا الكوبري فصلا ثابتا في تاريخ الثورة المصرية.
دون سؤال عن الهوية أو الدين أو التوجه السياسي ، كان المصريون يهرعون لإنقاذ ومساعدة الجرحى من المتظاهرين ونقلهم للمستشفيات ، أو فتح البيوت لاستقبالهم ومساعدتهم ، ليتجلى التلاحم الشعبي بين كل الفئات في أبهى الصور ، فلم ينجح قطع خدمات الاتصالات والإنترنت وقتئذ في وضع ثورة المصريين “خارج حدود الخدمة” .

نحو ألف قتيل سقطوا في ذلك اليوم ، أصوات الرصاص الحي أرهبتهم ، وأخافتهم رصاصات القناصة ، وبقيت الرهبة الأولى حاضرة في الأذهان، ومع تفاصيل كثيرة يذكرها ثوار يناير تخفق قلوبهم لساعات طويلة قضوها في محاولات مستميتة للهروب من طلقات الرصاص الحى التي حصدت الأرواح من حولهم في كل صوب ، الآلاف من المصابين خرجوا من جمعة الغضب بإصابات في الرأس والصدر أو البطن أو حتى في العين .. التي غاب حارسها في ذلك اليوم ..
بغياب شمس ذلك اليوم اقتحم الثوار الميدان، وأعلن الجيش حظر التجوال، وانشغلت الفضائيات بإطلاق صرخات استغاثة مفتعلة بثت الرعب في قلوب من بقوا في منازلهم، و فتحت سجون وأطلق سراح مساجين، ووضعت الشوارع المصرية على حافة المجهول، بين اختفاء الأمن قوات الداخلية، وانتشار البلطجية والخارجين على القانون في الشوارع، مشهد قابله خروج اللجان الشعبية للتصدي للخارجين على القانون الذين رسموا مشهدا للبلطجة والفوضى والفراغ الأمنى ، ليعقبه مشهد مظلم لنهب مصر .
تعرضت معظم المحال التجارية ومراكز التسوق للنهب عن آخرها، المحلات الكبرى وحتى الصيدليات، ومحلات الطعام، والملابس، والأجهزة الكهربائية، لم يبق منها بحلول صباح السبت 29 يناير سوى سراب، وليكتمل بذلك مشهد آخر من مشاهد يوم الغضب .