في ذكرى زخات الرصاص الأولى .. الثورة الليبية لا تزال تائهة

“دقت ساعة العمل” عبارة أطلقها معمر القذافي قبل خمس سنوات لكنها لم تكن في الواقع دقيقة تماما لكونها تأخرت حتى دقت ساعة الثورة في البلاد لتصبح عبارة القذافي محط سخرية يستعين بها قائلها لإضحاك الآخرين.
السابع عشر من فبراير عام ألفين وأحد عشر وبينما تحتفل مصر وتونس بإزاحة رأسي الحكم في البلاد مبارك و بن علي وصلت رياح التغيير التي هبت من كلا البلدين لتحط رحالها هذه المرة في ليبيا التي رزحت تحت حكم من حديد للعقيد القذافي على مدار 42 عاماً .
الأحداث التي بدأت شرارتها من مدينة بني غازي شرقي ليبيا لبضع مئات يهتفون نشيد أبي القاسم الشابي “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر” سريعا ما تحولت تلك الشرارة لكتلة نار ازداد لهيبها يوما بعد الآخر بفعل الرصاص الذي انهمر على صدور المتظاهرين فكبرت تلك الكرة الملتهبة سريعا وتدحرجت حتى عمت أرجاء ليبيا طولا من شرقها إلى غربها واتسعت فيها عرضا من شمالها إلى جنوبها .
نزل القذافي إلى الشارع سريعا في محاولة لإثبات التفاف الشعب حوله ، فظهر بعد بداية الأحداث بثلاثة أيام وسط أنصاره بطرابلس ، ثم خرج في الثاني والعشرين من فبراير / شباط ليخطب في أنصاره واصفا المتظاهرين بالجرذان ، ثم أطلق حربه الضروس بعدها بيومين من قلب الساحة الخضراء داعيا أنصاره والقبائل المؤيدة له بالاستعداد للدفاع عن ليبيا وعن الكرامة وكذلك عن “البترول” !
ظهرت الانشقاقات سريعا في حكم العقيد المتهاوي فأعلن وزير الداخلية عبد الفتاح العبيدي انضمامه للثورة وتشكيله جيش التحرير الوطني الليبي الذي ما لبث أن اتسعت قدراته كلما تآكلت قوة جيش العقيد .
في السابع والعشرين من فبراير / شباط تشكل المجلس الوطني الانتقالي برئاسة مصطفى عبد الجليل وبعدها بأيام طالب مجلس التعاون الخليجي بفرض حظري جوي على ليبيا لحماية المدنيين من بطش طائرات القذافي التي عاثت في شعبها قتلا دون تفرقة بين مدني ومسلح .
في السابع عشر من مارس أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1973 بفرض حظر جوي على ليبيا وإباحة استخدام القوة لحماية المدنيين لتبدأ بعدها بأيام ضربات حلف النيتو التي سرعت من تقدم الثوار باتجاه العاصمة طرابلس والسيطرة على آخر معاقل القذافي في سرت وقتله هو ونجله المعتصم في العشرين من أكتوبر / تشرين الأول 2011 والقبض على نجله الآخر سيف الإسلام .
في الثالث والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول وبعد ثلاثة أيام من مقتل القذافي أعلن المجلس الوطني الانتقالي التحرير الكامل لليبيا بعد صراع استمر على مدار ثمانية أشهر وأسفر عن مقتل أكثر من 30 ألف ليبي ، ليعلن حلف شمال الأطلسي في 31 من نفس الشهر انتهاء عملياته في ليبيا .
في السابع من يوليو / تموز عام 2012 وبعد تسعة أشهر من مقتل العقيد الليبي توجه الليبيون للمرة الأولى إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس تأسيسي ممثل في “المؤتمر الوطني العام” .
في التاسع عشر من سبتمبر / أيلول عام 2013 بدأت محاكمة كبار المسؤولين في نظام القذافي بتهم ارتبطت بقتل المتظاهرين وقمع الثورة .
في الثالث والعشرين من ديسمبر/ تشرين الأول عام 2013 أعلن المؤتمر الوطني العام تمديد ولايته لمدة عام في قرار أدى إلى خروج تظاهرات احتجاجية واستقالة عدد من النواب .
في الرابع عشر من فبراير / شباط عام 2014 خرج اللواء المتقاعد خليفة حفتر في تسجيل مصور معلنا تعليق عمل المؤتمر الوطني العام والحكومة فيما اعتبر وقتها انقلابا عسكريا ، لكن المؤتمر الوطني نفى وقوع الانقلاب وأكد على استمراره في السلطة إلى جانب الحكومة.
وفي منتصف مايو / أيار عام 2014 أعلن حفتر عن بدء عملية ضد من وصفهم بالمجموعات الإرهابية المسلحة في بني غازي شرقي ليبيا وانضمت إليه وحدات من الجيش الليبي.
وفي الخامس والعشرين من يونيو / حزيران من نفس العام انتخب البرلمان الجديد وسط مقاطعة من الإسلاميين ، بعدها بشهرين سيطر ائتلاف “فجر ليبيا” المؤيد للمؤتمر الوطني العام سيطرته على العاصمة طرابلس ويعيد إحياء البرلمان المنتهية ولايته “المؤتمر الوطني العام” ، وبذلك أصبح في ليبيا برلمانان وحكومتان.
وفي التاسع عشر من يناير / كانون الثاني 2016 تم تشكيل حكومة وفاق وطني بموجب اتفاق الأمم المتحدة ، لكن هذه الحكومة فشلت في الحصول على ثقة برلمان طبرق .
وقد أعلن المجلس الرئاسي الليبي مساء الأحد الماضي بمدينة الصخيرات المغربية تشكيلة معدلة لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج تضم 18 وزيرا.
وأسند المجلس الرئاسي منصب وزير الدفاع إلى المهدي البرغثي وهو أحد قادة القوات الموالية لمجلس النواب شرقي ليبيا، وتقول تقارير إن اللواء المتقاعد خليفة حفتر يعترض على تعيين البرغثي لخلاف بينهما ، فيما أثيرت تخوفات من عدم منح البرلمان الثقة للحكومة الجديدة حتى لا تظل الثورة الليبية حبيسة تلك الحلقة المفرغة التي تدور تائهة فيها .