مجلة إسرائيلية: تفاصيل جديدة لاغتيال “عيَّاش”

![]() |
| يحيى عياش “المهندس” |
بعد مرور عشرين عاما على اغتياله، كشفت مجلة إسرائيل ديفينس ‘ISRAEL DEFENSE’ تقريراً يتضمن الرواية الإسرائيلية لعملية اغتيال “المهندس” يحيى عياش، القائد المؤسس لكتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في يناير/كانون الثاني من عام 1996، من خلال هاتف محمول، بعد أن تحول إلى المطلوب رقم واحد لإسرائيل.
وكشف تقرير نشرته المجلة النقاب عن العقل المدبر للاغتيال هو “آفي ديختر” رئيس القطاع الجنوبي بجهاز الأمن الـ “شاباك” المسؤول عن قطاع غزة، وتم الاتفاق على تنفيذ اغتيال “المهندس” عن بعد من خلال الجو بوضع مواد متفجرة في هاتفه المحمول.
يشار إلى أن عياش من مواليد قرية رافات، جنوب غرب مدينة نابلس في الضفة الغربية، ودرس هندسة الكهرباء في جامعة بير زيت، وحصل على لقب مهندس هناك، وفي مطلع سنوات التسعينيات كان من مؤسسي كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة حماس.
وتقول الرواية الإسرائيلية إن الشاباك بدأ بمتابعته منذ العام 1992، في أعقاب إحباط عملية تفجير مركبة مفخخة في ‘رمات إفعال’ قام عياش بتحضيرها، واتهم عياش في حينه بأنه الذي بادر وخطط ونفذ عمليات تفجير كثيرة في تلك الأيام، وأعد المواد المتفجرة التي استخدمت فيها.
![]() |
|
إحدى العمليات التي أتهمت إسرائيل المهندس بتنفيذها |
وبين السنوات 1993 – 1994 خطط عياش سلسلة من العمليات، بدأت بعملية في ‘محولا’، وعمليات أخرى في العفولة والخضيرة و’بيت ليد’ والحافلة على خط 5 في شارع ‘ديزنغوف’ في تل أبيب، إضافة إلى عمليات أخرى كثيرة.
وسرعان ما أصبح عياش المطلوب الأبرز لأجهزة أمن الاحتلال، ولكنها فشلت مراراً وتكرارا في الوصول إليه، وكان يدرك أنه مطلوب، ولذلك واظب، بمساعدة معاونين، على البقاء في حراك دائم، ومن المرجح أنه لم ينم أكثر من ليلة واحدة في نفس المكان، وفي عدة أحيان كاد يتمكن الشاباك من اعتقاله، لكنه كان يفلت.
وفي أكتوبر/تشرين أول عام 1994، وبعد عملية تفجير في شارع ‘ديزنغوف’ في تل أبيب، حصلت قفزة نوعية في عملية المطاردة، حيث طلب رئيس الحكومة في حينه، إسحق رابين، تسريع الجهود لاغتياله، وشدد على أهمية العملية وعلى عامل السرعة في تنفيذها.
وفي أعقاب هذه التعليمات تم تعزيز الجهود، وأخذت مهمة الاغتيال منحى آخر، وبات كل جندي إسرائيلي يعرف صورة يحيى عياش، ولكن دون تحقيق نتائج، ورغم انتقاله من الضفة الغربية إلى قطاع غزة في مطلع العام 1995، واصل عياش إعداد وإطلاق العمليات، في حين واصل التشديد على قواعد الحذر، وتغيير مكان تواجده.
![]() |
|
عقب تفجير الحافلة في شارع ديزنغوف بتل ابيب عام 1994 |
واهتم معاونوه، من حركة حماس، بتلبية احتياجاته وبينها اللوجستية، إضافة إلى أماكن اختباء. وواصل عياش بنفسه إعداد العبوات الناسفة، وإطلاق ناشطي حماس لتنفيذ عمليات تفجير داخل إسرائيل، وتعتبره إسرائيل مسؤولا، بشكل شخصي، عن مقتل عشرات الإسرائيليين وإصابة المئات.
ويتابع التقرير أنه في مرحلة معينة قرر الشاباك استغلال نقطة ضعف جديدة تم اكتشافها خلال الجهود الاستخبارية المتواصلة، والإشارة هنا إلى زوجته وطفله الصغير، اللذين بقيا في الضفة الغربية، حيث كان عياش يجري معهما اتصالات هاتفية.
وبعد متابعة متواصلة، اتضح للشاباك أن زوجته تنوي الانتقال إلى قطاع غزة كي تكون قريبة من زوجها، وسمح لها الشاباك بالانتقال، وفي مارس/آذار من العام 1995 تم اكتشاف مكانها في بيت لاهيا.
ويقر “ديختر” بأن كل الجهود والوسائل لجمع المعلومات الاستخبارية التي قام الشاباك بتفعيلها لم تثمر شهورا طويلة، فقد كان عياش ‘يختفي من الرادار’، ولذلك تقرر الانتقال من الوسائل ‘الخاملة’ إلى ‘الفعالة’. وكانت فرضية الانطلاق تقول إن عياش يعمل في مكان غير بعيد عن زوجته، خاصة وأنها أنجبت المولود الثاني في نهاية العام 1995.
وتقول الرواية الإسرائيلية إن الجهود تركزت على منزل في بيت لاهيا، في محاولة لمعرفة كل من يمكن أن يكون له علاقة مع عياش. والإشارة هنا إلى متابعة استخبارية متواصلة ومعقدة وذكية وبطيئة، اشتملت على عمليات مسح لمجمل المعلومات، بما فيها معلومات عن ناشطي حماس الذين يعيشون في المنطقة.
![]() |
| عياش مع والديه |
وكانت هناك عدة علامات تشير إلى ناشط في حماس باسم أسامة حماد، والذي كانت له معرفة سابقة بعياش أثناء دراستهما في جامعة بير زيت، ومن خلال متابعة حماد كشفت أن عياش اعتاد الوصول إلى شقة صديقه في بيت لاهيا كي يلتقي زوجته وطفليه.
كما بينت متابعة الاتصالات أن عياش واصل إجراء مكالمة هاتفية مع والده بشكل أسبوعي من بيت حماد، ولاحقا تم استغلال هذه المعطيات بشكل عملاني لتنفيذ عملية الاغتيال، وتقرر تجنيد قريب لأسامة حماد، ويدعى كامل حماد، وهو مقاول ورجل أعمال بارز في قطاع غزة، وعمل في إسرائيل، وأنشأ الشاباك علاقات مع كامل حماد، وبدأ بإعداد السيناريو لتنفيذ عملية الاغتيال.
في البداية، بحسب التقرير، أجبر الشاباك المقاول حماد على أن يدرك أن عليه أن يتعاون معهم إذا أراد أن يستمر في التحرك بحرية في إسرائيل ومواصلة أعماله فيها، وفي هذا الإطار طلب منه أن يقوم بتشغيل قريبه أسامة حماد، ولاحقا أن يقوم بتسيلمه جهاز هاتف محمول.
ويؤكد “ديختر” في هذا السياق أنه تم تسليم أسامة حماد الجهاز بهدف أن يعتاد الأخير على استخدامه، وبعد فترة معينة، وبعد أن بدأ استخدام الجهاز، واعتاد أسامة حماد على استخدامه، طلب الشاباك من كامل حماد إعادة الجهاز، وقام طاقم فني بزرع 50 غرام من المواد المتفجرة في داخل الجهاز.
وعندما حانت الفرصة، في نهاية ديسمبر/كانون الأول عام 1995، جرت المحاولة الأولى، وذلك بعد أن قام الشاباك بـ’معالجة’ الهاتف المنزلي لأسامة حماد وتعطيله لإجبار عياش على استخدام الهاتف المحمول.
وكان والد “المهندس” يعرف رقم الهاتف المحمول لحماد، فقام بالاتصال به، في هذه اللحظة قام عنصر الشاباك المفعل للجهاز بضغط زر تفعيل الإشارة الإلكترونية بواسطة طائرة، ولكن المكالمة الهاتفية استمرت، ولم تنفجر العبوة الناسفة.
![]() |
| جنازة المهندس عياش |
ويضيف التقرير أنه طلب من المقاول – المتعاون مع الشاباك، والذي لم يكن يدرك أو يعرف الدور المصيري له في العملية، أن يحضر الجهاز من أسامة حماد بذريعة إجراء فحص تقني، وعندها تبين أن هناك مشكلة معقدة، حيث إنه ليس من السهل تسلم جهاز يحتوي على عبوة ناسفة قد تنفجر في أي لحظة؛ ولكنها لم تنفجر، وتمكنت وحدات التكنولوجيا في الشاباك من تحديد مصدر الخلل الذي نجم عن سلك مقطوع.
وأعيد الجهاز لكامل حماد، وقام الأخير بدوره بتسليمه لأسامة حماد، وفي الخامس من يناير/كانون الأول من العام 1996، نشأت فرصة أخرى للشاباك، حيث وصل عياش إلى منزل حماد، وتم تعطيل الاتصال السلكي في المنزل، وبطريقة ما دفع والد عياش إلى إجراء اتصال مرة أخرى بالهاتف المحمول.
لم يكد عياش ينطق سوى بجملة واحدة، وعندها تمكن الشاباك من تحديد هوية المتحدث، ليتم ضغط زر التفجير قبل أن يسود الهدوء، حيث انفجرت العبوة الناسفة، وأصيب عياش في رأسه إصابة قاتلة، ليصبح بعدها جزءًا من التاريخ.
وبحسب التقرير، ورغم أن الحديث عن عملية قام بها الشاباك، إلا أنها كانت ثمرة تعاون عملاني تكنولوجي استخباري مع سلاح الجو والاستخبارات العسكرية.
ويشير التقرير إلى أن حياة رجل الأعمال كامل حماد، الذي كان يمكث في إسرائيل أثناء عملية الاغتيال، قد تغيرت، كباقي المتعاونين الذين لم يعد يرج الاحتلال منهم أية فائدة. فقد أدانته حركة حماس والسلطة الفلسطينية بالخيانة والتعاون مع الاحتلال، وفقد كل ثروته وممتلكاته في قطاع غزة.
ولاحقا، وفي إطار خطة تأهيل للشاباك، سافر إلى الولايات المتحدة، إلا أنه اضطر إلى العودة. ويقول أحد الأمنيين الإسرائيليين السابقين إنه التقى به صدفة في المجمع التجاري ‘أيالون’ في ‘رمات غان’، وأنه ادعى أنه تم التغرير به وبالنتيجة دفع ثمنا كبيرا، في حين تنكر الشاباك لالتزاماته تجاهه.




