3 سنوات على “مذبحة رابعة” وما زال القاتل طليقا

ثلاث سنوات مرت على “إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث”، حيث فض قوات الجيش والشرطة في مصر اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة في القاهرة الكبرى وغيرهما من ميادين مصر، وقتلوا مئات المتظاهرين.
مجزرة صب فيها الجيش والشرطة النار على آلاف المعتصمين في ميدان رابعة العدوية، فيهم النساء والأطفال والشيوخ، الذين اعتصموا اعتراضا على الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي على السلطة المدنية المنتخبة في الثالث من يوليو 2013وعزل الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب.
أثخنت قوات الجيش والشرطة المتظاهرين قتلا وحرقا، حتى ضج الميدان واختلط الأموات بالأحياء، وحُرّقت جثث وتطايرت الأشلاء وضاعت الهويات، وغصت المستشفيات والمشارح.
وقد وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش المجزرة بأنها “إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث”.
وعن الذكرى الثالثة ذكر بيان للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا “بعد ثلاث سنوات إلا أن السلطة القضائية في مصر لم توفر أي سبيل للانتصاف القانوني للضحايا، ولم تفلح كافة محاولات الضحايا أو أسرهم للحصول على فرصة لملاحقة مرتكبي هذه الجريمة، بل تم تلفيق الاتهامات بالقتل إلى الضحايا من المعتصمين الذين نجوا من القتل وتعرضوا للاعتقال على يد أجهزة الأمن، لتحولهم النيابة العامة من مجني عليهم إلى متهمين” .
![]() |
الأمم المتحدة
تضيف المنظمة: “بعد مرور ثلاث سنوات لم تقم أي جهة محلية أو دولية بالتحقيق الجاد بما حدث ولا يلام في هذا النظام المصري لأنه هو من ارتكب الجريمة إنما يلام المجتمع الدولي الذي يملك من الآليات ما يمكنه من التحقيق ومحاسبة المسؤولين”.
فطوال ثلاث سنوات فشلت الأمم المتحدة باتخاذ أي إجراء للتحقيق في هذه الجريمة وتقلصت المطالبات الدولية بفتح تحقيق في تلك الأحداث، وعادت العلاقات تباعا مع النظام المصري على الرغم من استمراراه في المسار الدموي، حسبما ذكرت المنظمة.
المجزرة
المكان ميدان رابعة العدوية (نسبة إلى الزاهدة البصرية المعروفة المتوفاة سنة 180 للهجرة) شرقي القاهرة، والزمان صباح يوم 14 أغسطس/آب 2013، حيث يرابط عشرات الآلاف من المصريين الرافضين لانقلاب عبد الفتاح السيسي والمنادين بعودة الرئيس المنتخب محمد مرسي، وهذا هو شهرهم الثاني في الاعتصام.
صبّح الجيش المعتصمين ومعظمهم هاجعون بعد صلاة الفجر، إذ بدأ الهجوم من شارع طيبة مول ثم شمل كل المداخل الرئيسية، واقتحمت المدرعات والمجنزرات الميدان، وانتشرت سحب غاز الدموع، واعتلى القناصة أسطح المنازل وحلقت الطائرات الحربية في سماء الميدان.
![]() |
وتدفقت جحافل الجيش والشرطة وبدأت تمطر الناس بالرصاص الحي، وتحاصر المنافذ الرئيسية للميدان، وكانت طائرات الأباتشي تصب قنابل الغاز وتقنص المصورين.
لقد بدأ ما يشبه المعركة الحربية فهبت رائحة الموت، واهتزت الأرض وماجت الشوارع وتقطعت بالمعتصمين الأسباب، واندفعوا يبحثون عن ملاذ آمن.
وكانت قنابل الصوت تعلو صراخ المستغيثين، وتَكظِم أنين الجرحى، ومع ذلك فقد قال شهود عيان إن الجنود المنتصرين كانوا يجلسون وسط ركام الأموات يأكلون ويشربون، ويبحثون عما في مخيمات الميدان المنكوب من الغنائم.
وفي تقرير مفصل أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش في أغسطس/آب 2014، واستغرق إعداده سنة كاملة، وصفت المنظمة الفاجعة بأنها إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث.
وقالت إن ما حصل “لم يكن مجرد حالة من حالات القوة المفرطة أو ضعف التدريب، بل كانت حملة قمعية عنيفة مدبرة من جانب أعلى مستويات الحكومة المصرية”.
ويومها قدم محمد البرادعي نائب الرئيس المؤقت حينذاك استقالته احتجاجا على ما حصل. وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما بعد يوم من المذبحة: “إن الولايات المتحدة تدين بقوة الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية ضد المدنيين”.
واقتصر الأمين العام للأم المتحدة بان غي مون على إدانة على لسان المتحدث باسمه، واكتفى الاتحاد الأوروبي بالتعبير عن قلقه.
ووجه رئيس الوزراء التركي حينذاك رجب طيب أردوغان انتقادا لاذعا للسلطات المصرية، ودعا بيان صدر عن مكتبه مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية لإيقاف المجزرة، فيما وصف الرئيس التركي -يومذاك- عبد الله غل الحادث بأنه “لا يمكن أن يقبل إطلاقا”.
وقد أصبحت إشارة رابعة (رفع أصابع اليد كلها وعقد الإبهام) رمزا عالميا، رفعه زعماء سياسيون من بينهم أردوغان، وأصر المناهضون للانقلاب على رفعه في كل أنحاء مصر.
![]() |
أعداد الضحايا
وقد اختلفت التقديرات في عدد القتلى والمصابين في المجزرة، فورد في تصريحات لقيادات من الإخوان المسلمين كمحمد البلتاجي وعصام العريان، أن عدد القتلى تجاوز 3000 قتيل وآلاف الجرحى والمصابين.
وأعلن تحالف دعم الشرعية المؤيد لمرسي أن إجمالي الوفيات في فض اعتصام رابعة وحده بلغ 2600 قتيل، وهو العدد الذي أعلنه المستشفى الميداني في رابعة.
وتحدث تقرير وزارة الصحة المصرية عن 670 قتيلا ونحو 4400 مصاب. وأعلن المسؤولون عن الطب الشرعي بالقاهرة -في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2013- أن إجمالي عدد القتلى بلغ 377 قتيلا، من بينهم 31 جثة مجهولة الهوية.
وذكر تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” أن “قوات الأمن المصرية قتلت أكثر من ألف على الأرجح”.
وقد اعتقل المئات من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان والمناصرين لها وتمت إحالة الكثير منهم على المحاكم، وصدرت في حقهم أحكام بالإعدام والسجن المؤبد، وظل المسؤولون عن مذبحة رابعة بمنأى عن أي مساءلة قانونية.


