مصر: تحصيل نسبة من الصناديق الخاصة إلهاء جديد

القرار الأخير للحكومة المصرية بتحصيل نسبة من الأرصدة البنكية للصناديق والحسابات الخاصة، يراه مراقبون محاولة إلهاء جديدة في ظل غياب الشفافية والمعلومات بشأن هذه الصناديق.
فوسط أزمة مالية واقتصادية تواجهها الحكومة، يتصاعد الجدل بشأن الصناديق الخاصة ومدى قدرتها على توفير مورد مالي للخزانة العامة للدولة يحد من نزيف الاقتراض.
وقال عمرو الجارحى، وزير المالية، فى مؤتمر صحفى عقد بمقر الهيئة العامة للاستثمار الإثنين الماضي: إن الحكومة وافقت خلال اجتماعها على مشروع قانون بتحصيل جزء من رصيد الصناديق الخاصة لصالح الخزانة العامة، بحيث يتم إعفاء الصناديق التي يقل رصيدها عن 20 ألف جنيه (نحو 1100 دولار)، وتحصيل نسبة 5% من الصناديق التى بها رصيد يتراوح بين 20 ألفًا حتى 50 ألفا، وتحصيل نسبة 10% من رصيد الصناديق التى يتراوح رصيدها بين 50 ألفًا و 100 ألف، وتحصيل نسبة 15% عن الصناديق التى تزيد عن 100 ألف .
كانت الصناديق والحسابات الخاصة محل اتهام بأنها أكبر أبواب الفساد في مصر، ولا يعرف أحد عددها أو حجم إيراداتها أو قيمة أرصدتها، فمن حيث العدد كان رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق المستشار جودت الملط –إبان نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك- عندما يعرض ملخص التقرير السنوي عن فحص (حساب ختامي الموازنة العامة للدولة) على مجلس الشعب يقول:” بلغ ما أمكن حصره منها …”، ثم يذكر رقما يقترب من عشرة آلاف صندوق. وقدر تقرير لجهاز المحاسبات -قُدم للجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب المصري عام 2012- إيراداتها السنوية بمبلغ مائة مليار جنيه، كما اختلفت التقديرات الخاصة بأرصدتها في البنوك فبلغت فى حدها الأدنى 50 مليار جنيه.
بدأ الحديث عن الصناديق والحسابات الخاصة أو “مغارة علي بابا ” -كما أطلق عليها صحفي مصري-، بعد الاستجواب الذي تقدم به النائب السابق أشرف بدرالدين لمجلس الشعب في مارس/آذار 2010، ولم يناقش الاستجواب كغيره من عشرات الاستجوابات التي تقدم بها نواب المعارضة في البرلمان في عهد مبارك.
القضاء على الفساد كان أحد أهداف ثورة 25 يناير، وبالتالي كان من أولويات أول برلمان منتخب بعد ثورة 25 يناير هي القضاء على فساد الصناديق والحسابات الخاصة وإحكام الرقابة عليها، وضم إيراداتها وأرصدتها إلى الموازنة العامة للدولة، فبدأت لجنة الخطة والموازنة بالمجلس مناقشة القضية في عدة اجتماعات أصدرت في ختامها عدة توصيات تمهيدا لإصدار التشريع المناسب بشأنها، مع المحافظة على كافة حقوق العاملين المعينين على هذه الصناديق، كما وافقت لجنة الاقتراحات والشكاوى بالمجلس على اقتراحات بمشروعات قوانين تقدم بها بعض الأعضاء لإلغاء الصناديق الخاصة، لأجل القضاء على الفساد المالي والإداري داخل أجهزة الدولة.
لم يمهل المجلس العسكري –الحاكم للبلاد بعد خلع مبارك- مجلس الشعب ليتمكن من تجفيف أهم منابع الفساد، فأصدرت المحكمة الدستورية يوم الخميس 14 يونيو/حزيران 2012حكمها بحل مجلس الشعب. وبعد يومين أصدر رئيس المجلس العسكري المشير حسين طنطاوي قرارا بحل المجلس.
وتولى مجلس الشورى سلطة التشريع بعد أن أسندت إليه بموجب الدستور المستفتى عليه في ديسمبر/كانون الأول 2012، وانتقلت مهمة مكافحة الفساد في الصناديق الخاصة إلى لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بالمجلس.
تم إضافة المواد (10، 11، 12) لقانون ربط الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2013/2014 حيث نصت المادة (10) على أن يؤول للخزانة العامة للدولة نسبة 10% من جملة الإيرادات الشهرية للصناديق والحسابات الخاصة والوحدات ذات الطابع الخاص حتى ولو كان ذلك مغايرا لما هو وارد في لوائحها المعتمدة، كما نصت المادة (11) على أن يؤول للخزانة العامة للدولة نسبة مقدارها 25% من أرصدتها.
كما جاء نص المادة (12) كالتالي: “على جميع الجهات المخاطبة بالقانون رقم 139 لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 127 لسنة 1981 بشان المحاسبة الحكومية والخاص بحساب الخزانة الموحد والتي ما زالت لديها حسابات مفتوحة خارج البنك المركزي المصري بأن تقوم بإقفال تلك الحسابات ونقل أرصدتها إلى حساب الخزانة الموحد بالبنك المركزي المصري في غضون شهر من تاريخ إصدار هذا القانون، وفي حالة عدم التزام الجهات المشار إليها في الفقرة السابقة بتحويل كل حساباتها المفتوحة خارج البنك المركزي المصري إلى حساب الخزانة الموحد بالمدة المحددة يخصم نسبة 50% من رصيد تلك الحسابات وتؤول للخزانة العامة للدولة وفي حالة عدم التزام تلك الجهات لمدة 6 أشهر تؤول كامل أرصدة تلك الحسابات للموازنة العامة“.
كان من المفترض بعد صدور هذا القانون الذي أصدره مجلس الشورى يوم الخميس 27 يونيو 2013 وصادق عليه رئيس الجمهورية حينها محمد مرسي، أن تكون جميع أموال الصناديق الخاصة المودعة في بنوك تجارية والتي قدرتها وزارة المالية بما يزيد عن 8 مليارات جنيه قد تم تحويلها إلى حساب الخزانة الموحد بالبنك المركزي أو آلت إلى الموازنة العامة خلال 6 أشهر من صدوره.
بعد الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي، تضمن قانون ربط الموازنة للعام المالي 2014/2015 الذي أصدره الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، نص المادة (12) كما هي دون تعديل.
وإلى الآن لم يتم تطبيق نصوص هذه المواد فعليا، ما يعني عدم الحاجة لتشريع جديد مثل الذي وافقت عليه الحكومة مؤخرا، فهل يمكن توقع إصدار القانون الجديد؟ خاصة أن لجنة الاقتراحات والشكاوى بالبرلمان الحالي، قد وافقت في أغسطس/آب من العام الماضي على اقتراح بمشروع قانون بتعديل القانون رقم 53 لسنة 1973 بشأن الموازنة العامة للدولة، لإلغاء الصناديق الخاصة، على أن تؤول أموالها وأرصدتها إلى الخزانة العامة للدولة، دون المساس بالصناديق الخاصة بالقوات المسلحة، وذلك وسط تحفظ الحكومة على المشروع.