من سيكون “كبش الفداء” في قضية خاشقجي؟

Published On 15/10/2018
اتخذت قضية اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول أبعادا جديدة خلال اليومين الماضيين، تركزت معظمها في تحولات عدة شهدها الموقف السعودي من الأزمة.
التعامل السعودي خلال الأيام الماضية ارتكز على الآتي:
- إنكار اختفاء خاشقجي داخل القنصلية، والتأكيد المستمر على خروجه منها بعد إنجاز معاملته.
- تجاهل المطالب التركية والدولية بالكشف عن مصير خاشقجي والادعاء بعدم وجود أي معلومات.
- اتهام أطراف أخرى بالمسؤولية عن اختفائه، بدءا من تركيا نفسها مرورا بدولة قطر وجماعة الإخوان المسلمين وحتى خطيبة خاشقجي نفسها.
لكن الموقف السعودي بدأ في التغير تدريجيا، رغم التصريح الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية أمس (الأحد) نقلا عن مصدر سعودي توعد باتخاذ إجراءات ضد أي عقوبات تفرض على المملكة.
ملامح التغير السعودي
- تصريح وزير الداخلية السعودي عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز، الذي أنكر فيه “وجود أوامر” بقتل خاشقجي.
- اتصال العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي اُعتبر محاولة تهدئة من الجانب السعودي بعد تراشق إعلامي خلال الأيام الماضية.
- أوامر الملك سلمان (الاثنين) بإجراء “تحقيق داخلي” فيما حدث لخاشقجي.
- إنكار الملك سلمان للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن يكون لديه أي علم بما حدث لخاشقجي.
- السماح للسلطات التركية بتفتيش القنصلية السعودية في إسطنبول باستخدام كافة المعدات والأدوات اللازمة، بعد تعنت سعودي استمر لمدة 13 يوما. وقد صرح مصدر في مكتب المدعي العام التركي للجزيرة أن الفحص الأولي أظهر أدلة بارزة على مقتل خاشقجي رغم محاولات طمسها.
- نقلت شبكة سي إن إن الأمريكية عن مصدرين أن السعودية تستعد للاعتراف بمقتل خاشقجي نتيجة خطأ حدث أثناء استجوابه داخل القنصلية.
بالتوازي مع تغير السياسة السعودية، ظهرت العديد من المؤشرات تتحدث عن إمكانية قيام المملكة بتقديم تنازل سياسي كبير يحفظ ماء وجهها، ويتمثل في التضحية بأحد المسؤولين الكبار وتحميله المسؤولية عن مقتل خاشقجي.
مؤشرات التنازل السعودي
- تصريح ترمب الذي قال فيه إنه “بدا له” من خلال المكالمة مع الملك سلمان أنه ربما يكون هناك “قتلة مارقون” وراء ما حدث. ويلاحظ أن التصريح تحدث عن “قتلة” أي أن ترمب ربما تأكد من مصير خاشقجي بصورة نهائية.
- رغم أن تصريح وزير الداخلية السعودي نفى وجود أوامر بقتل خاشقجي، إلا أنه لم ينف عملية القتل نفسها، وبالتالي كان التصريح مهتما بالتبرؤ من وجود استهداف متعمد، فيما يبدو وكأنه تمهيد للحديث عن عملية قتل حدثت من دون علم القيادة السعودية.
- نفي الملك سلمان وجود أي علم له بما حدث لخاشقجي، اعتبر دعما لتصريح وزير الداخلية السعودي “بعدم وجود أوامر بالقتل” وهو ما معناه أن المملكة تدفع في اتجاه أن “جهة ما” أو “شخص ما” ربما يكون قد تصرف من تلقاء نفسه.
- أما التحقيق الداخلي فهو تحقيق منفصل عن الجانب التركي، ويشير إلى استعداد سعودي لتقديم “كبش فداء” من مسؤوليها.
- صحيفة واشنطن بوست، نقلت (الاثنين) عن مسؤول تركي قوله إن الرياض تبحث “التضحية بأحد الأسماء الكبيرة المهمة”.
- صحيفة التلغراف البريطانية ذكرت أمس (الأحد) أن السعودية تحاول إقناع تركيا برواية مفادها أن خاشقجي مات داخل القنصلية بسبب أزمة قلبية، وأن موظفي القنصلية “المذعورين” أخفوا جثته.
أسباب تغير الموقف السعودي
- تنامي الضغوط الدولية على السعودية، ومنها تصريحات ترمب نفسه الذي توعد السعودية بعقاب شديد إذا ثبتت مسؤوليتها عن قتل خاشقجي، وبيان دول أوربية عديدة تطالب المملكة بالتحقيق، ووجود مخاوف من عزلة دولية للسعودية مع انسحاب عدد كبير من وسائل الإعلام والشركات الكبرى من مؤتمر مستقبل الاستثمار في الرياض هذا الشهر، وكذلك انسحاب رجال أعمال عالميين من الهيئة الاستشارية لمشروع نيوم.
- زيادة الضغوط التركية على السعودية، والتي تمثلت في الكشف يوميا عن دليل جديد يخص القضية، ووصلت التسريبات ذروتها بتأكيد الشرطة التركية مرتين على امتلاكها تسجيلات صوتية لعملية القتل، وهو ما قد يضع المملكة في أزمة كبرى، حتى لو لم تجد الشرطة التركية جثة خاشقجي داخل القنصلية بعد تفتيشها، الأمر الذي يضطرها للتحرك وتحمل جزء من المسؤولية قبل فوات الأوان.
- ارتبط تغير السياسة السعودية بظهور الملك سلمان في الصورة لأول مرة، بهدف تهدئة الأجواء، وإصداره أوامر بإجراء تحقيق داخلي حول ملابسات القضية، وهو ما يؤشر على تراجع دور ولي العهد محمد بن سلمان وفريقه، خاصة مع زيارة الأمير خالد الفيصل أمير مكة المكرمة ومستشار الملك سلمان لأنقرة للقاء المسؤولين الأتراك، بالإضافة إلى رئيس المخابرات السعودية خالد الحميدان المحسوب على جناح العاهل السعودي الذي سيلتقي وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بنفسه وليس ولي العهد.

من سيكون كبش الفداء؟
- إذا صحت الأنباء والتحليلات السابقة، فإن سعود القحطاني، المستشار بالديوان الملكي السعودي، ربما سيكون هو المرشح الأكبر لتحمل المسؤولية، نظرا لقربه من محمد بن سلمان واضطلاعه بالكثير من الملفات، وقد أشارت صحف عالمية إليه أكثر من مرة وإلى احتمالية تورطه في التخطيط لعملية القتل، كما كشفت واشنطن بوست عن قيامه بالتواصل مرتين مع خاشقجي ومحاولة استدراجه للسعودية وإغرائه بمنصب كبير، كما قام القحطاني بعمل “قائمة سوداء” بمعارضي ابن سلمان، وهدد معارضا سعوديا بالاغتيال، قبل أن يحذف التغريدة لاحقا.
- يمكن أيضا أن تتم الإطاحة بوزير الداخلية السعودي وتحميله المسؤولية عن القضية، خاصة أن تصريحه الذي نفى فيه وجود أوامر بقتل خاشقجي لم يتضمن نفيا لمحاولة استجوابه أو اختطافه.
- يواجه سيناريو “القتلة المارقين” صعوبات في تصديقه، نظرا لأن فريق الاغتيال مكون من شخصيات مقربة للغاية من ابن سلمان، وبعضهم يعمل في الحرس الشخصي له، وكذلك يعمل البعض الآخر في مناصب مرموقة داخل الدولة، كما أن الفريق وصل إلى إسطنبول عبر طائرتين خاصتين واستخدم سيارات القنصلية السعودية وتحرك داخل القنصلية بحرية، وهو ما يدل على وجود أوامر عليا بالسماح لهم بتنفيذ العملية. خاصة أن صحيفة واشنطن بوست كانت قد أكدت أن المخابرات الأمريكية رصدت مراسلات سعودية رسمية تثبت وجود أوامر من ابن سلمان شخصيا لاعتقال خاشقجي وإحضاره إلى السعودية.
مستقبل ابن سلمان
يطرح هذا التغير عدة أسئلة وفرضيات حول المستقبل السياسي لولي العهد السعودي، والتي تتلخص في احتمالين:
- الإعفاء من ولاية العهد: يفيد هذا الاحتمال بصدور أمر ملكي بعزل ابن سلمان وتولية شخص آخر مكانه، وربما يكون هذا الشخص هو شقيقه خالد بن سلمان السفير السعودي في واشنطن الذي عاد إلى المملكة بعد عجزه عن تقديم إجابات مقنعة بشأن القضية، لكن يبدو هذا الاحتمال بعيدا حتى الآن.
- البقاء: يبدو هذا الاحتمال صعبا أيضا، خاصة أن تحميل المسؤولية لأي شخص آخر لن يؤدي إلى تحسين صورة ابن سلمان التي تضررت بشدة في المجتمع الدولي، كما أن تقديم كبش فداء آخر حتى وإن برأ ابن سلمان على مستوى الحكومات، لكنه لن يكون مقنعا بالضرورة لوسائل الإعلام العالمية وأعضاء الكونغرس والمنظمات الحقوقية الدولية والرأي العام العالمي، كما أن الكثير من السياسيين ربما لن يغامروا باستقباله بعد الآن حتى لا يواجهوا ردود أفعال غاضبة من مواطنيهم، ولن يأمن رجال الأعمال على استثماراتهم في بلد يشهد تطورات متسارعة ومتقلبة نتيجة الأزمات السياسية التي تتسبب بها قيادتها، وبالتالي فإن أي محاولة مستقبلية لإعادة طرح اسم ابن سلمان على المستوى الدولي ستواجه تحديات كبرى ربما لن يستطيع تجاوزها.
المصدر: الجزيرة مباشر