مقتل خاشقجي يدفع السعودية لتغيير سياستها.. كيف؟

مع تفاقم أزمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، تبدو السعودية مقبلة على تغييرات محتملة في سياستها كجزء من الثمن الذي يمكن أن تدفعه لطي صفحة القضية.
كانت السياسة السعودية تتسم بالهدوء والثبات، وكانت تتسم بعلاقات جيدة مع قطر وتركيا والتنسيق معهما في الملف السوري، بالإضافة إلى استخدام الدبلوماسية والقوة الناعمة والإغراءات المالية بدلا من القوة العسكرية، لكن ذلك تغير منذ أن صعد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى سدة الحكم بدعم من والده. ففرض حصارا على قطر وتدخل بالقوة العسكرية في اليمن وتسبب في توتر العلاقات مع تركيا وأثار أزمات مع دول أخرى مثل كندا وألمانيا. واتسم السلوك السعودي في تلك الأزمات بمحاولة فرض الشروط بالقوة والتنمر على الدول الأخرى.
لكن كل ذلك مرشح للتغير مع جهود تبذلها المملكة لمحاولة إبعاد المسؤولية عن ولي العهد وإنقاذه من المحاسبة. ويمكن تلخيص أبرز تلك التغييرات المتوقعة في الملفات التالية:
- أطاحت قضية مقتل خاشقجي بمسؤولين بارزين محيطين بابن سلمان، منهم أحمد عسيري نائب مدير المخابرات السعودية، وسعود القحطاني المستشار بالديوان الأميري وأقرب المقربين من ولي العهد.
- من المحتمل أن تفرج السلطات عن آلاف المعتقلين الذين ألقي القبض عليهم خلال الأشهر الماضية بسبب معارضتهم للنظام أو نشاطهم على تويتر أو حتى عدم تأييدهم للنظام بالشكل الكافي. وذلك في خطوة لتحسين صورة المملكة في الخارج التي تأثرت بشدة. وسيعتبر ذلك تغيرا كبيرا بالنظر إلى الإجراءات العديدة التي اتخذها السعودية ضد كندا على خلفية مطالبة الأخيرة بالإفراج عن عدد من المعتقلات في السجون السعودية.
- قد يلجأ ابن سلمان لاستمالة أفراد من الأسرة الحاكمة بعد أن كان لا يبالي برضاهم عن سياسته من عدمه. وبدأت إرهاصات ذلك في تدخل الأمير خالد الفيصل والأمير تركي الفيصل لمساندة ولي العهد في عدد من التصريحات. كما عاد الأمير أحمد بن عبد العزيز شقيق الملك سلمان إلى الرياض بعد أن حصل على تطمينات أمريكية وبريطانية بعد التعرض له من ابن سلمان، وفقا لموقع ميدل إيست آي.
- كان الأمير أحمد بن عبد العزيز قد انتقد سياسة الملك سلمان وولي عهده خاصة في حرب اليمن، أثناء وجوده في العاصمة البريطانية لندن، وبقي هناك منذ ذلك الحين.
تبذل السلطات السعودية جهودا كبيرة لاسترضاء تركيا على خلفية مقتل خاشقجي، وشملت تلك الجهود:
- اتصالان هاتفيان أجراهما الملك سلمان مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أعرب خلالهما العاهل السعودي عن حرص المملكة الشديد على علاقتها مع أنقرة.
- اتصال هاتفي أجراه ابن سلمان مع أردوغان، لمناقشة قضية مقتل خاشقجي والجهود السعودية للتحقيق فيها.
- تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي قال فيه إن العلاقات مع تركيا ستظل راسخة طالما بقي الملك سلمان وبقي هو وليا للعهد.
- توقف الحملات الإعلامية السعودية التي استمرت ضد تركيا خلال الأشهر الماضية، كما توقفت حملات ما يسمى بالذباب الإلكتروني السعودي ضد الرئيس التركي.
- إرسال فريق تحقيق سعودي إلى تركيا، وكذلك النائب العام السعودي لبحث قضية خاشقجي.
- من المتوقع أن تتخلى السعودية عن دعم الأكراد في شمال سوريا، وهو الدعم الذي كانت تقوم به نكاية في تركيا.
- ما زالت العلاقات التركية السعودية على المحك جراء القضية، خاصة مع مماطلة الجانب السعودي في تنفيذ الطلبات التركية، وأهمها الكشف عن مكان الجثة ومحاكمة المتهمين في تركيا والكشف عن المسؤول الذي أعطى الأوامر للمنفذين. وقد صرح أردوغان أمس الثلاثاء بوجود لعبة ما في قضية خاشقجي “لإنقاذ شخص ما” فيما تشير التوقعات والتحليلات إلى أن أردوغان إنما يقصد ابن سلمان نفسه.
- كشف إعلاميون مصريون قبل أشهر أن ابن سلمان كان قد اعتبر الأتراك ضمن “مثلث الشر” في المنطقة، والذي تضمن أيضا إيران والجماعات الإرهابية. كما شهدت العلاقات بين السعودية وتركيا توترات بسبب اختلاف السياسات في المنطقة، وأبرز تلك الخلافات ما يتعلق بقضية حصار قطر والعلاقات مع مصر والحركات الإسلامية والملف السوري.
- أدت جريمة قتل خاشقجي إلى تسليط الضوء بصورة أكبر على الضحايا المدنيين الذين سقطوا جراء غارات التحالف السعودي الإماراتي في حرب اليمن. بالإضافة إلى كارثة المجاعة وانتشار الأمراض التي انتشرت بين اليمنيين بسبب الحرب.
- دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو اليوم الأربعاء (يوم الثلاثاء بالتوقيت المحلي) إلى وقف الأعمال القتالية في اليمن وقال إن المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة لإنهاء الحرب الأهلية ينبغي أن تبدأ الشهر المقبل.
- طالب وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس الثلاثاء إلى إنهاء الحرب في اليمن، واستبدال المعارك بتسوية سياسية خلال 30 يوما.
- تنمو معارضة قوية داخل الكونغرس لبيع السلاح الأمريكي للمملكة، وهو ما قد يفرض على السعودية وقف القتال واللجوء إلى الحل السياسي لاسترضاء الكونغرس الذين أعرب العشرات منهم عن غضبهم الشديد من مقتل خاشقجي وبدأ العشرات منهم في تفعيل قانون ماغنيتسكي لمحاسبة الرياض، كما طرح مشروع قانون آخر يقضي بتعليق جميع صفقات بيع الأسلحة إلى السعودية على خلفية اختفاء الصحفي السعودي.
- أعلنت دول أخرى عن وقف مبيعات الأسلحة للسعودية على خلفية حرب اليمن وقضية خاشقجي، أبرزها ألمانيا.
بدا خلال الأيام الماضية وجود رغبة سعودية واضحة في الوصول إلى تفاهم مع قطر، وتمثلت تلك الرغبة في:
- تصريح محمد بن سلمان الذي أشاد فيه بقوة الاقتصاد القطري وقدرته على التطور خلال خمس السنوات المقبلة، وذلك خلال مشاركته في مؤتمر مستقبل الاستثمار الذي أقيم في الرياض وشهد مقاطعة واسعة من الشركات والشخصيات الاقتصادية بعد مقتل خاشقجي.
- كشفت وكالة بلومبيرغ الأمريكية أن الولايات المتحدة تزيد من الضغوط على السعودية من أجل تخفيف حصارها المفروض على قطر في أعقاب جريمة مقتل خاشقجي، مشيرة إلى أن الجريمة أسهمت في تركيز الانتباه على أخطاء ابن سلمان.
- تحدثت تسريبات غير مؤكدة عن محاولات قام بها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لإصلاح العلاقات مع الدوحة، لكن لم يتم التأكد من تلك الأنباء.
- كان وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري خالد العطية قد صرح قبل أيام أن أي حل للأزمة الخليجية ينبغي أن يسبقه تقديم اعتذار ورفع الحصار ثم الجلوس إلى مائدة المفاوضات.
من المبكر التنبؤ بشكل ومدى تغير السياسة السعودية ودرجة ديمومتها، فقد تكون مجرد مناورة سياسية فرضتها الأحداث الأخيرة والمأزق الذي وقعت فيه المملكة، لكن قد تستمر تلك التغييرات وتتعمق، ويتوقف ذلك على عدد من العوامل:
- تطورات قضية خاشقجي نفسها وما إذا كانت ستمس ولي العهد السعودي أم لا. فقد تؤدي في النهاية إلى الإطاحة به وبالتالي تغير السياسات السعودية بشكل آلي. وقد يبقى ابن سلمان في منصبه لكن مع إجباره على تغيير سياساته، أو قد ينجح في تخطي الأزمة والإبقاء على نفس السياسات القديمة، لكن ذلك يظل احتمالا ضعيفا.
- النوايا التركية التي قد تدفع إلى التصعيد مع الرياض أو تتجه للتهدئة.
- الضغوط الأمريكية التي من الممكن أن تدفع المملكة لتقديم تنازلات سياسية كبيرة لإنهاء قضية خاشقجي.
- الموقف الإماراتي من تلك التغييرات، واحتمالية تماهيه معها أو معارضته لها. وقد كشف ضاحي خلفان قائد شرطة دبي السابق وأحد المعبرين عن السياسة الإماراتية عن معارضة بلاده إنهاء حصار قطر، وقد يمتد ذلك الأمر أيضا إلى ملفات أخرى مثل ملف العلاقات مع تركيا والحرب في اليمن، والتي تشهد سياسات إماراتية متشددة لا تقبل التفاوض أو أنصاف الحلول.
- مقدار الثقة التي يمكن أن يضعها اللاعبون الإقليميون في محمد بن سلمان نفسه، فقد فرض الحصار على قطر بعد أيام قليلة من انعقاد القمة الإسلامية الأمريكية في الرياض، والتي شهدت مشاركة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كما تتسم السياسة السعودية في ملفات أخرى بالتسرع والتقلب الشديد، مثلما حدث مع كندا، وهو ما يتطلب أن تقدم السعودية ضمانات موثوقة لعدم تكرار ذلك مرة أخرى وعدم العودة إلى سياستها القديمة بمجرد مرور الأزمة.
- من غير المتوقع أن تمتد التغييرات المتوقعة إلى ملفات أخرى مثل التعامل مع الحركات الإسلامية، وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين، التي أعلنت السعودية في عام 2013 أنها تعتبرها “إرهابية”.