“نبع السلام”.. إعادة رسم لخرائط الصراع السورية بأياد تركية

Published On 14/10/2019
|آخر تحديث: 4/11/2024 01:42 PM (توقيت مكة)
بدأت تركيا قبل أيام ثالث عملية عسكرية لها في شمال سوريا منذ 2016، للقضاء على ما تصفه بالممر “الإرهابي” الذي أقامته قوات سوريا الديمقراطية خلال السنوات الماضية على حدودها الجنوبية.
خلال الأسبوع الذي سبق العملية؛ أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تهديدات متكررة بعملية عسكرية وشيكة ضد خصومه بالشمال السوري.
بدا للوهلة الأولى أن الرجل يعيد تكرار وعيد أطلقه أكثر من مرة، فيما رصد محللون ومتابعون تغيرا في النبرة واستعدادا في الميدان يشي بأن الصبر قد انتهى وأن الجيش التركي قرر أخيرا عبور الحدود، والالتحام بقوات سوريا الديمقراطية التي طالما اعتبرت تركيا وجودها على حدودها تهديدا حقيقيا لأمنها واستقرارها.
نبع السلام بعد غصن الزيتون
- اختار الأتراك لثالث عملياتهم العسكرية في الشمال السوري اسم “نبع السلام” في رمزية تريد تركيا من خلالها إرسال رسائل لسكان المنطقة أنها تحمل إليهم بوادر سلام وإعمار بعد سنوات ساخنة من اللهب والحرب والاكتواء بنيران متعددة، تنطلق بقرارات من مراكز نفوذ وعواصم دولية متعددة.
- تأتي رمزية التسمية بعد إنهاء تركيا قبل سنة ونصف لحملة أخرى تحت اسم غصن الزيتون واستهدفت المنطقة ذاتها، وأكدت تركيا يومها أنها تسعى من خلال غصن الزيتون إلى إبعاد شبح الإرهاب وغرس أشجار السلام في أرض ارتوت من الدم خلال السنوات الأخيرة.
- لم تكن عملية غصن الزيتون أولى العمليات فقد كانت مسبوقة بدرع الفرات، وحملت هي الأخرى دلالة رمزية لبناء مسار جديد هدفه حماية الحدود التركية، ثم حماية السكان الأصليين للمناطق ذاتها.

أهداف ومواقف
- تستهدف العملية الشمال السوري بشكل خاص، ولذلك انتفض نظام الأسد ضدها، وتقاطرت التصريحات السورية المناوئة للعملية والتي تصفها بالاحتلال.
- يبدو أن العملية جاءت بمباركة من الولايات المتحدة الأمريكية التي أخلت المنطقة من قواتها، لكنها نالت تنديدا أوربيا واسعا، وانخرط الإعلام الفرنسي بالذات في حملة قوية ضد أردوغان وعملية نبع السلام.
- الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدت مواقفه متناقضة وإن كانت في مجملها تبرر العملية التركية وتتفهم تحرك تركيا وتدعو إلى إعطائها فرصة لتدبر أمر حدودها.
- روسيا تقول إن لتركيا الحق في الدفاع عن نفسها، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أنه ينبغي الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وأنه على كل القوات العسكرية الأجنبية التي لها “وجود غير مشروع” أن ترحل عن سوريا.
- راوح الموقف الإيراني بين التفهم –على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني- والتأكيد على أن من حق تركيا تبديد مخاوفها على حدودها الجنوبية، وبين الدعوة اليوم من طرف وزارة الخارجية الإيرانية إلى إيقاف العملية العسكرية التركية في سوريا بشكل عاجل وخروج القوات التركية من الأراضي السورية.

غضب إقليمي
- بينما تفاوت الموقف الدولي في النظر لهذه العملية؛ جاء الغضب الإقليمي الأكبر من عواصم عربية ذات علاقات متأزمة مع تركيا.
- واجهت عملية “نبع السلام ” حربا إعلامية وسياسية واسعة من عواصم عربية أبرزها الرياض وأبو ظبي والقاهرة، معتبرة أن العمليات المذكورة ليست أكثر من “احتلال تركي” جديد لأراض عربية.
- كان من المفارقة أن العواصم المذكورة التي حملت لواء رفض ومناهضة العملية العسكرية التركية هي أكثر العواصم العربية تورطا في تدمير دول عربية وحصار أخرى وإثارة أزمات وقلاقل متعددة في المنطقة.
- على سبيل المثال تواصل السعودية الغرق منذ سنوات في المستنقع اليمني، وإذا كان من أهداف “عاصفة الحزم” في مرحلتها الأولى “القضاء على الحوثيين وإعادة إعمار اليمن”، فإن النتيجة كانت عكسية حيث أصبحت السعودية في حالة دفاع ضعيفة عن الحدود والأرض والاقتصاد، وغرق اليمن في واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية.
- في ليبيا غرقت الإمارات ومصر في حرب مفتوحة قسمت هي الأخرى ليبيا إلى دولتين متصارعتين تعيشان تحت رحمة النار والأحقاد، وللقاهرة قصة أخرى مع حصار غزة، ومع مجازر أخرى في الداخل.
- غير بعيد عن منطقة نبع السلام ترفع سوريا الصوت عاليا ضد تركيا، وتغرق في بحر من الصمت تجاه الضربات الإسرائيلية التي تقتطع أجزاء من الأرض السورية.
وتدرك تركيا وهي تعيد رسم جزء أساسي من خريطة الصراع في سوريا من جديد أنها تملك أوراق قوة، وتعاني نقاط ضعف في الوقت ذاته.
ومن أهم نقاط قوة تركيا في هذه المعركة
رأي داخلي موحد
- باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يعتبر الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني، فإن كل الأحزاب التركية أيدت العملية العسكرية بما فيها الأحزاب المعارضة.
- تفاهم مع القطبين الرئيسيين الأكثر تأثيرا في سوريا
- انتظرت تركيا كثيرا قبل أن تطلق عمليتها العسكرية في الشمال السوري، ويتضح من حسابات الأتراك أنهم حرصوا على عدم إطلاق العملية قبل حصول توافق مع القطبين الأهم الأقوى تأثيرا في سوريا وهما الولايات المتحدة وروسيا.
- كان من اللافت ومن الحالات النادرة -وربما غير المسبوقة- أن تستخدم الدولتان حق النقض في مجلس الأمن لإسقاط مشروع أوربي بإدانة العملية التركية والمطالبة بوقفها.
موقف متوازن من الناتو
- رغم الصوت الأوربي المرتفع ضد العملية التركية؛ اختار حلف شمال الأطلسي أن يتخذ موقفا وصفه البعض بالمتوازن تجاه “نبع السلام”.
- أمين عام حلف شمال الأطلسي “ناتو” ينس ستولتنبرغ اعتبر أن تركيا لديها مخاوف أمنية مشروعة وتعرضت لهجمات إرهابية مروعة، في تعليقه على عملية “نبع السلام”.
انسحاب القوات الأمريكية
- قبيل انطلاق نبع السلام، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها بدأت سحب بعض القوات الأمريكية من مواقع في شمال شرقي سوريا، لتفسح الطريق أمام عملية عسكرية تركية، بدت وشيكة حينها، ضد قوات كردية مسلحة.
- دان الأكراد الخطوة ووصفوها بطعنة بالغة في الظهر، وأكدوا أنهم يشعرون بالخيبة والمرارة.
- الرئيس الأمريكي أمر الأحد بعد خمسة أيام من انطلاق العملية بسحب ألف عنصر من القوات الأمريكية من المناطق التي تطالها المعارك.
- من المؤكد أن انسحاب القوات الأمريكية يمثل نقطة قوة للأتراك، ولولا الانسحاب لما تسنى للعملية أن تبدأ.
تفوق عسكري كبير
- لا مجال للمقارنة بين تركيا والقوات الكردية، في القدرات العسكرية، ولكن الأهم على صعيد القدرات العسكرية التركية، أنها لن تتأثر كثيرا –وفقا لبعض الخبراء- من قرارات بعض الدول الأوربية بوقف صادراتها العسكرية تجاهها؛ حيث طورت في الآونة الأخيرة قدراتها التصنيعية العسكرية، وأصبحت تصنع الكثير من حاجياتها في المجال العسكري.

تحديات ونقاط ضعف
الموقف المتقلب لترامب
- فمع أن ترمب أيد العملية العسكرية –ضمنيا- إلا أنه معروف بتغير وتذبذب مواقفه، كما أنه يتعرض لضغوط شديدة داخلية على مستوى الكونغرس وبعض أطراف إدارته، وخارجيا من بعض الدول الأوربية التي رفضت العملية وأدانتها.
موقف البنتاغون والكونغرس
- لا يعرف حتى الآن مستوى التأييد داخل البنتاغون للعملية التركية خصوصا مع علاقته التي ترسخت في السنوات الأخيرة مع القوات الكردية، كما ظهر تقارب في الأيام الماضية بين أعضاء في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي رفضا للعملية التركية.
المدنيون في المدن الكبرى
- لن تنجح العملية التركية دون السيطرة على المدن الكبرى في الشمال السوري؛ وفي حين لن يجد الجيش السوري المعارض والقوات التركية صعوبة كبيرة –من الناحية العسكرية- في السيطرة عليها؛ يبقى العائق الأكبر هو اكتظاظها بالمدنيين، وصعوبة وضع اليد عليها دون خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين.
- وللتعاطي مع ذلك الإشكال يبدو أن القوات التركية ستلجأ لتطويق المدن لفترة معينة حتى ترغم المقاتلين على إخلائها والانسحاب منها دون اشتباكات مسلحة مدمرة.

مصير سجناء تنظيم الدولة
- تحول الشمال السوري في الآونة الأخيرة إلى “غوانتنامو” جديد وفق تعبير بعض المحللين، حيث يوجد به نحو 20 سجنا، تضم أكثر من 12 مقاتل أجنبي من تنظيم الدولة وعائلاتهم، يتولى المقاتلون الأكراد حراستهم والتعامل معهم في ظروف يصفها بعض المتابعين بالبائسة، وترفض حكوماتهم استقبالهم.
- يذهب بعض المحللين إلى أنه من بواعث المواقف الأوربية المنددة بالعملية العسكرية هي قضية تلك السجون؛ حيث تحرص تلك الدول هروبا من مسؤوليتها تجاه مواطنيها على بقائهم بيد قوات غير رسمية وفي مناطق بعيدة عن الرقيب.
- رغم تلك التحديات؛ تواصل تركيا عمليتها متجاهلة ضغوط الأوربيين وتنديدات العرب الرافضين، والمؤكد أن نجاحها في هذه العملية –إن تم- سيعزز حضورها في الملف السوري، ويقوي من دورها الإقليمي، ويمنحها وزنا استراتيجيا أثقل وأكبر.
المصدر: الجزيرة مباشر
