الديمقراطية في الغرب تنهار: فما الأسباب؟

الرئيس الأمريكي ترمب (يمين) ورئيس الوزراء البريطاني جونسون

قال المعلق السياسي الكيني باتريك غاتارا إن الديمقراطية تتداعى في الغرب والشعوب في الدول الديمقراطية تتنازل عن حقها في المشاركة في صنع القرار للنخب وتكتفي بالتصويت فى الانتخابات.

التفاصيل
  • غاتارا أشار في مقال بموقع قناة الجزيرة الإنجليزية إلى أن الدول النامية كانت تنظر في وقت ليس بالبعيد إلى بريطانيا والولايات المتحدة كنماذج للمنافع التي تعود على شعوبها من انتهاجهما الديمقراطية.
  • اليوم، تندفع بريطانيا “بلا هوادة” على ما يبدو نحو خروج “مخيف” من الاتحاد الأوربي (بريكست) من دون اتفاق، وتعيش الولايات المتحدة مخاض تحقيقات تتعلق بإجراءات عزل رئيسها دونالد ترمب.
  • في وسط كل هذا، يقفز إلى الذهن سؤال واحد: هل الانزلاق نحو حماقة شعبوية هو المصير المحتوم للديمقراطية؟ يتساءل غاتارا.
  • الكاتب يجيب عن السؤال قائلا إن الحالة الراهنة التي يعيشها العالم الأنغلو- ساكسوني، في إشارة إلى أمريكا وبريطانيا، توحي بذلك.
  • فبريطانيا الغارقة في أزمة دستورية تزداد تعقيدا يوما بعد يوم جراء استفتاء 2016 الذي قضى بخروجها من الاتحاد الأوربي، نصَّبت شعبويا هو بوريس جونسون زعيما لها، فيما يحكم الولايات المتحدة “شعبوي فاقد الأهلية” هو دونالد ترمب، حسب رأي الكاتب.
  • غاتارا ينقل عن الأكاديمية والكاتبة الكينية نانغالا نيابولا تفسيرا لهذه الظاهرة، بالقول إن الديمقراطية صعبة المنال.
  • الكاتبة كانت تعلق على ما يصفه مقال الجزيرة بإحساس الكثيرين في العالم الثالث “بالشماتة” إزاء الفوضى التي تكتنف عملية البريكست.
  • فالحياة عند الكثيرين كفاح منهك ومتواصل من أجل توفير لقمة العيش ومسكن يؤوي المرء. والحال كذلك، فإن التعاطي الجماهيري الدائم مع هذه القضايا ومتابعة ما تنوي الدولة والنخبة السياسية القيام به، وهو أوجب واجبات الديمقراطية كي تزدهر، يبدو عملا مضنيا.
  • لتلك الأسباب يسلك الناخبون طرقا مختصرة، تشمل فيما تشمل الاتكال على شخص آخر ليخبرهم عما يدور داخل المطبخ الديمقراطي، وفق تعبير باتريك غاتارا.
  • ففي كينيا، على سبيل المثال، اعترف العديد من الناس صراحة إبان استفتاء 2010 على الدستور الجديد بأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة الوثيقة.
  • بالمثل، فإن البريطانيين لم يكونوا بالضرورة على إلمام تام بالقضية عندما توجهوا صوب مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في استفتاء بريكست عام 2016.
  • غاتارا يرى أن السعي لمعرفة الحقيقة ليس دوما هو السبب الذي يجعل المرء يتابع أمور السياسة والسياسيين. ويستشهد في ذلك برأي أستاذ القانون بجامعة جورج ميسون في ولاية فرجينيا الأمريكية، إيليا سومين، القائل إن أنصار التيارات السياسية المختلفة يميلون للتصرف مثل مشجعي الرياضة، إذ لا يبدون كبير اهتمام بمزايا المجادلات السياسية أو كيف هو أداء الفريق في المباراة، بقدر ما يعنيهم فوز الطرف الذي يناصرونه.
  • لكن السؤال يبقى: إذا كان الناخبون لا يعيرون اهتماما للسياسة، فلماذا يتجشمون عناء الإدلاء بأصواتهم أصلا؟
  • إن التصويت، برأي غاتارا، أشبه ما يكون بالذهاب لمشاهدة مباراة في كرة القدم وتشجيع الفريق المفضل، إذ إنه يتيح للناس إشباع رغبتهم في المشاركة من دون تكلف عناء النزول إلى معترك السياسة وقضاياها.
  • الكاتب قال إنه مثل مشجعي الرياضات المختلفة، نادرا ما يختار العديد من الناخبين فرقهم السياسية التي تنسجم مع أفكارهم، بل استنادا إلى اعتبارات “متعسفة” تتعلق بالأصول العرقية أو مكان الميلاد، “فإذا صوتت عائلتك وجيرانك لصالح طرف بعينه، فإنك ستحذو حذوهم أيضا”.
  • وسائل الإعلام تعزز هذا النهج من حيث محتوى تقاريرها وطريقة تناولها، فهي تنقل الأخبار بدلا من تحليلها وشرحها. ولكي تستقطب جمهورا عريضا من متابعيها تجنح تلك الأجهزة إلى الإثارة وتفضلها على أهمية موضوع التقرير.
  • الكاتب أضاف أنه يسود اعتقاد لدى الناخبين المشبعين بالوجبات الإخبارية السريعة، حسب تعبير أستاذ القانون إيليا سومين، بأن “العالم مكان في غاية البساطة ولا يتطلب اتخاذ قرار واعٍ في أمر من أمور السياسة سوى القليل من المعرفة”.
  • هذا الفهم يفضي إلى تبني “معالجات مبسطة لقضايا معقدة”، وتفضيل للسياسيين الشعبويين “الواضحين والصرحاء” من شاكلة ترمب أو جونسون الذين ينبذون التعقيد.
  • في النهاية، إذا كان العالم بهذه البساطة، فإن إصلاحه لا يتطلب معرفة متخصصة.
  • إن النزعة الشعبوية –بنظر غاتارا- هي نتيجة أكثر منها سبب لزوال الديمقراطية. وقد ظلت الديمقراطية الغربية تتهاوى من الداخل منذ أمد طويل بسبب “الاتفاق الضمني” بين الناخبين والنخب، حيث يترك الأولون أمر اتخاذ القرارات للآخرين طالما أنهم يأخذون على عاتقهم مسؤولية تحقيق النمو والازدهار الاقتصادي.
  • الديمقراطية صعبة المنال، وهذا ليس بخبر بالنسبة للمجتمعات التي تكابد من أجل الحصول عليها من براثن أنظمة مستبدة ظل الغرب يستهزئ واصفا إياها تارة “بجمهوريات الموز” وتارة أخر “بالدول القذرة”.
  • غاتارا اختتم مقاله بالإشارة إلى مقولة الفيلسوف اليوناني القديم أفلاطون بأن “جزاء من يقصر مشاركته الديمقراطية على مجرد الإدلاء بصوته أن يحكمه البلهاء”.
المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان