حصون من رمال.. السعودية والجغرافيا المكشوفة (الحلقة الثانية)

إذا نظرنا لخارطة السعودية، سنجد حصنًا من رمال الصحراء يحتضن هضبة نجد.
هذه الصحاري هي صحراء الدهناء التي تقع شمال نجد، وصحراء النفود التي تحيط بهضبة نجد من الشرق، وصحراء الربع الخالي التي تقع في الجهة الجنوبية من نجد والتي تفوق مساحتها بلدانًا بأكملها مثل فرنسا وأفغانستان وأوكرانيا.
ويقوم الربع الخالي من الصحراء العربية بعزل الدول الخارجية، مثل عُمان والإمارات العربية المتحدة واليمن من المراكز السكانية السعودية.
ومع إحاطة هذه المناطق الرملية بقلب البلاد، إلا أن الجغرافيا السعودية لا تجعل منها بلدا محصّنا من التدخلات الخارجية. فأهم المناطق الحيوية في السعودية مكشوفةٌ تمامًا للغزو والعدوان الخارجي. وفيما يلي سنبيّن هشاشتها للتدخلات الأجنبية:
- المناطق الحيوية التي تعتمد عليها السعودية هي المنطقة الشرقية حيث الثروة النفطية، ومنطقة الحجاز حيث مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهما المدينتان التي تكسبان السعودية خصوصيتها الدينية. وما بين هاتين المنطقتين صحراء قاحلة قليلة الموارد.
- يحيط بالسعودية من يمينها وشمالها مسطحات مائية ضيّقة، فحدودها الشرقية التي تفصلها عن إيران بالخليج العربي لا يتجاوز فيه عرض الخليج 250 كيلومترا، كما أن حدودها الغربية التي تطل على البحر الأحمر، لا يتجاوز فيها عرض البحر 250 كيلومترا كذلك. وهذا ما يجعلها هدفًا سهلًا للصواريخ المنطلقة من البلدان المجاورة لهذه المسطحات المائية.
- إضافة إلى ذلك، فإن حركة الملاحة السعودية في هذه المياه مرتبطة بقرار دول أخرى مشرفة على المضائق في الخليج العربي والبحر الأحمر، فمضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يقدر بخُمس النفط العالمي، يقع في مرمى إيران، ويمكن إغلاقه في أي وقت لولا الحضور الأمريكي في المنطقة. ومضيق باب المندب وقناة السويس يحكمان حركة الملاحة السعودية في البحر الأحمر.
حصون من رمال: الجغرافيا السياسية للسعودية (الحلقة الأولى)

الحجاز
- كانت مكة المكرمة وجدة تاريخيا في موقع استراتيجي، فالمدينتان تقعان في وسط طرق التجارة والنقل العالمية التي تربط بين آسيا وأوربا وشرق أفريقيا. كما أن مكة كانت ولا تزال مركزاً مهماً لإقبال الحجاج والتجار للجزيرة العربية عبر البحر الأحمر.
- لا يخفى على القارئ مكانة المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، لدى المسلمين الذين يبلغ عددهم المليار ونصف المليار، حيث تهوي أفئدتهم يوميًا إلى مكة في صلاتهم. كما تتعلق آمالهم بزيارة ولو لمرة واحدة في العمر لأداء ركن الحج وزيارة مدينة الرسول الكريم.
وتعاني هذه المنطقة من إشكاليتين استراتيجيتين بالنسبة لحكام السعودية، وهما: بذرة الانشقاق والاستقلال، وانكشافها للعدو الخارجي.
- كانت هذه المنطقة مستقلة دائمًا عن بقية مناطق السعودية، وتعاقب فيها الحكم الهاشمي منذ قرون، حتى استطاعت الدعوة الوهابية ضمها إلى نجد، كما أنها كانت دومًا على خلاف ثقافي مع نجد، حيث يميل أهلها للتصوّف المجرّم لدى الوهابية. أضف إلى ذلك أنها أكثر المناطق السعودية سكّانًا، وهذا يجعل من فكرة استقلالها حلمًا يراود بعض نخبها، ويشكّل كابوسًا مخيفًا للأسرة الحاكمة في الرياض.
- كانت منطقة الحجاز ولا تزال مطمعًا لكل من يرغب في مد نفوذه الديني في العالم الإسلامي. كما أن موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر يجعلها هدفًا في متناول القادم من الشرق الأفريقي. وليس أدلّ من انكشاف الحجاز للغزاة، أن أول عملية خارجية قام بها محمد علي باشا خارج مصر، كانت تستهدف الحجاز، والسيطرة على المدينتين المقدستين، وقد استولى عليهما في وقت قياسي في 1813. ولا تزال دعوات تدويل الحرمين وفصلهما عن النفوذ السعودي مطلبًا تلوّح به بعض البلدان الإسلامية التي تعيش حالة خصومة مع السعودية، مثل إيران وتركيا.

المنطقة الشرقية
- تعد المنطقة الشرقية المصدر الرئيسي للثروة في السعودية، حيث تنام المنطقة على أكبر حقول النفط في العالم. كما تمتاز المنطقة بخصائص اقتصادية متعددة، أهمها الصناعات البترولية، مثل أعمال التنقيب والتكرير والتسويق بالإضافة إلى صناعات تجميع الغاز الطبيعي والصناعات البتروكيماوية التي تتمركز في مدينة الجبيل الصناعية، التي تعد من المدن الصناعية الأولى على مستوى الجزيرة العربية. كما أن هناك ثلاث مدن صناعية أخرى موزعة في هذه المنطقة تحتوي على الصناعات المعدنية والتحويلية والغذائية وتصدر العديد من منتجاتها خارج المملكة.
- بدأت أعمال التنقيب عن النفط في عام 1925م حينما بدأت شركة “ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا” في حفر آبار الدمام الأولى والتي لم تأت نتائجها محققة للتطلعات ولكن لأن المؤشرات كانت تشير إلى وجود النفط والغاز فقد استمرت الشركة في حفر 9 آبار على التوالي، إلى أن تحقق الحلم في تاريخ 3 مارس/ آذار عام 1928 عندما أنتجت بئر الدمام رقم 7 كميات وفيرة من النفط. وبهذا الإنجاز دخلت المملكة عصر صناعة النفط.
وتواجه الحكومة السعودية إشكاليتين استراتيجيتين في المنطقة الشرقية. هما القرب من العدو التقليدي للملكة العربية السعودية؛ إيران. والكثافة الشيعية في المنطقة.
- تعتبر المنطقة الشرقية جبهة مكشوفة للهجوم الإيراني على الأراضي السعودية. ويعود هذا إلى ضعف البحرية السعودية. كما اتضحت هذه الهشاشة في الموقع وقلة الحماية في الأحداث الأخيرة التي أدت إلى قصف مصافي النفط في بقيق وخريص في 14 سبتمبر/ أيلول الماضي.
- تضم المنطقة الشرقية أكبر تجمع للشيعة في المملكة العربية السعودية، ويشكل هذا التجمع قلقًا لحكومة الرياض، للتقارب المذهبي بين السكان المنطقة والنظام الإيراني. كما كانت منطقة القطيف أحد المدن التي تشهد تمردا وتظاهرات ضد الحكومة السعودية بين وقت وآخر.
وفي ظل هشاشة الحدود السعودية وانكشاف الجغرافيا، تلجأ السعودية لمعالجة هذا الوضع، من خلال طريقتين ستكونان عنوان حلقتنا الثالثة. وهما الاستعانة بالقوات الأمريكية لحماية التراب والنفط السعودي، ودعم الحركات المناهضة لإيران للقيام بالحرب بالوكالة في الدول المحيطة.
حصون من رمال (3).. كيف أصبحت السعودية في أضعف حالاتها الدفاعية؟