امتيازات اقتصادية للجيش المصري.. هل تقي السيسي “ثورة” محتملة؟

فاجأ وزير الدفاع المصري الفريق أول محمد زكي، المصريين بقرار جديد يعفي مئات المنشآت الربحية التابعة للجيش من “الضريبة العقارية”.
ويأتي ذلك رغم الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه مصر، وحرص النظام على جمع الأموال من المواطنين بكل الصور والمسميات الممكنة.
الإعفاءات المتزايدة لمؤسسات الجيش المصري الاقتصادية، المتزامنة مع زيادات شبه دورية لمعاشات العسكريين ورواتبهم، تقابلها عبارات يكررها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلامه للمدنيين منها “مفيش” و “معنديش” و “مش قادر أديك”.
هذا التقرير يتناول بعض الامتيازات الجديدة والسابقة، لمشروعات الجيش المصري الاقتصادية وعلاقتها باقتصاد البلاد وتأثيرها عليه.
رغم أن جريدة “الوطن” اليومية القاهرية داعمة بوضوح لنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ولدور القوات المسلحة في الحياة السياسية والاقتصادية، إلا أن هذا الدعم لم يعفها من ” الفرم ” عندما أجبرتها السلطة في مصر مساء يوم 10 مارس/ آذار 2015 على التخلص من 100 ألف عدد من أعداد طبعتها لليوم التالي بسبب احتوائها على تحقيق حول تهرب 13 جهة سيادية مصرية، أغلبها عسكرية، من سداد الضراب للدولة.

ملف علاقة الجيش المصري بالاقتصاد من الملفات الحساسة في مصر كما هو معروف للمتابعين، لدرجة أن اللواء محمود نصر مساعد وزير الدفاع الأسبق للشئون المالية، صرح في 26 مارس/ آذار 2013 أن عائدات مشروعات الجيش الاقتصادية “ليست أموال الدولة وإنما عرق وزارة الدفاع من عائد مشروعاتها”، بحسب تعبيره وقتها خلال لقاء مع الصحفيين والخبراء الاقتصاديين.
من الملامح البارزة في ملف “اقتصاد” القوات المسلحة المصرية، الامتيازات والإعفاءات التي تنعم بها مشروعات الجيش الاقتصادية على نحو يرى فيه مراقبون حرمانا لقطاعات اقتصادية مدنية من التنافسية العادلة.
الامتيازات تتمثل في الاتي:
- أحدث تلك الامتيازات تمثلت في القرار الذي أصدره مؤخرا وزير الدفاع المصري الفريق أول محمد زكي والذي حمل رقم 24 لعام 2019، ونشرته الجريدة الرسمية المصرية والقاضي بإعفاء وحدات تابعة للقوات المسلحة من الضريبة المفروضة على العقارات والمنشآت التجارية والصناعية.
- زكي أكد في قراره أن الإعفاء جاء لاعتبارات تتعلق بشؤون الدفاع ومتطلبات الأمن القومي.
- قرار وزير الدفاع المصري ينطبق على قرابة الألف منشأة اقتصادية ربحية تابعة للجيش، من بينها المنشآت الاجتماعية والترفيهية التابعة لأفرع القوات المسلحة، وكذلك النوادي الاجتماعية، وقاعات الأفراح والمساجد وقاعات المناسبات، وأرض المعارض الخاصة بالقوات المسلحة، كما ينسحب القرار على الشقق والفيلات والوحدات الصيفية والساحات العامة التابعة للجيش.
- يشمل القرار أندية رياضية ومنتجعات ومسارح ودور سينما، وكل فروع المجمعات الاستهلاكية التابعة لجهاز الخدمة الوطنية البالغ عددها حوالي 60 فرعا، وفروع لسلاسل سوبر ماركت ومجازر آلية.
- القرار الأحدث لوزير الدفاع المصري يأتي امتدادا لقرار سابق أصدره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 19 أغسطس / آب 2014 تضمن تعديلات على قانون الضريبة العقارية أعفت من تلك الضريبة أندية وفنادق القوات المسلحة، ودور الأسلحة، والمجمعات، والمراكز الطبية والمستشفيات، والعيادات العسكرية، والعقارات المبنية في نطاقها وغيرها من الوحدات التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الدفاع بالاتفاق مع الوزير المختص، وهي كلها منشآت تدر أرباحا على الجيش وتتعامل مع المدنيين بالإضافة للعسكريين.
- من الامتيازات الاقتصادية المهمة التي حصلت عليها القوات المسلحة المصرية منذ 3 يوليو / تموز 2013، التوسع في إسناد مشروعات كان يقوم بها القطاع المدني في السابق، ومن هذه المشروعات 84 مشروعا دفعة واحدة حصلت عليها القوات المسلحة لتنفذها منفردة، وذلك بخلاف المشروعات التي تقوم بتنفيذها بالشراكة مع شركات وجهات مدنية، خلال عام 2017 فقط بحسب تصريح للواء محسن عبد النبي، المدير السابق لإدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة المصرية، في 5 أكتوبر من العام نفسه.
- أحد أبرز الامتيازات التي حصل عليها القطاع الاقتصادي للجيش المصري، اتفاق تم توقيعه في فبراير/شباط 2014، مع شركة ” إعمار” الإماراتية، لبناء ميدان “إعمار” وهو مجموعة ” كومباوندات ” تضم وحدات سكنية فاخرة، وملاعب جولف، وعدة “مولات” تجارية.
- تم تكليف الجيش بتطوير 30 منطقة عشوائية بالقاهرة والجيزة بميزانية تقدر بحوالي 400 مليون جنيه في يناير 2014.
- يتولى الجيش أعمال صيانة أغلب كباري وأنفاق مصر بتكلفة حوالي 5 مليارات جنيه، بموجب قرار صادر في 21 نوفمبر/تشرين ثان 2013، كما تم تكليف القوات المسلحة بإنشاء ثلاث كبار في مدينة الجيزة بتكلفة 200 مليون جنيه.
- حصل الجيش المصري أيضا على امتيازات بإدارة عدة طرق كبيرة ومحورية منها طريق (شبرا – بنها) لمدة 99 عامًا والمعروف أن هذه الطرق في مصر كانت تدر على الحكومة دخلا كبيرا.
- كل هذه المشروعات وغيرها، يتمثل جانب واحد فقط من جوانب دور الجيش فيها، في كونه متحكما في كل أراضي مصر غير الزراعية بموجب مرسوم رئاسي صادر في العام 1997.
- سمح السيسي للجيش بمنافسة القطاع المدني حتى في تأسيس شراكات اقتصادية مع كيانات وجهات أجنبية، و ذلك بموجب القرار رقم 446 لعام 2015 و الذي ينص على “تولّي جهاز القوات المسلحة تجهيز مدن ومناطق عسكرية بديلة للمناطق التي يتم إخلاؤها، والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تنمية موارد جهاز القوات المسلحة، وله في سبيل ذلك تأسيس الشركات بكافة صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي”، الأمر الذي اعتبره مراقبون يفتح بابا لتهديد الأمن القومي المصري.
- عادة ما يرتبط أي نقاش حول الدور الاقتصادي للجيش المصري والامتيازات التي يحصل عليه في هذا السياق بالحديث حول الأرقام المتعلقة بحصاد مشروعاته ماليا وما يدخل منها في الموازنة العامة للدولة، والأهم من ذلك موازنة الجيش وقدرة الأجهزة المصرية الرقابية على مراقبتها.
- الأرقام المتوفرة في هذا الصدد قليلة لحرص الجيش على عدم الإعلان عنها، وتنص المادة 203 من الدستور المصري الذي تم إقراره في عام 2014 على أن تدرج ميزانية القوات المسلحة المصرية كرقم واحد في ميزانية الدولة السنوية، وقد صرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 20 مارس/آذار 2018 خلال حوار أجرته معه المخرجة ساندرا نشأت ضمن فيلم بعنوان “شعب ورئيس” أن ميزانية الجيش تتراوح بين 2% إلى 3 % من ميزانية الدولة.
- غير أن السيسي كان قد أعرب صراحة في عدة مناسبات عن تمنيه أن تصل ميزانية الجيش إلى 50 % من اقتصاد مصر و60 % في مرة أخرى.
اللواء السابق بالجيش المصري طلعت مسلم، الخبير العسكري، قال في حديث لـ ” الجزيرة مباشر” إنه لم يكن مرتاحا لتوسع الرئيس الراحل أنور السادات في الدور الاقتصادي للجيش المصري، والذي بدأ من بوابة الرغبة في تخليص الاقتصاد المصري من عبء تلبية احتياجات الجيش، وأضاف: “كنت أتمنى أن تظل الأمور الاقتصادية متروكة للقطاع المدني”.
تابع مسلم: “الجيش بدأ الدخول للمجال الاقتصادي لعدة أهداف منها العمل على توفير سلع لم يكن في طاقة الاقتصاد المصري بقدراته العادية توفيرها، لأن القيادة السياسية كانت وما زالت ترى أن القطاع المدني يفتقر لبعض الضوابط الموجودة في المؤسسات العسكرية مثل الانضباط والتخطيط والالتزام بتسليم المشروعات في المواعيد المحددة.
وأضاف اللواء السابق الذي قاد أحد ألوية الجيش المصري في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973: “الاستمرار في الدور الاقتصادي للجيش يجب أن يكون مشروطا بأن يعود هذا الدور بالنفع على القطاعين المدني والعسكري، أما إذا أثر ذلك سلبا على الوضع الاقتصادي بالبلاد فهو مؤشر خطر، على حد تعبيره.
الدكتور أحمد ذكر الله، أستاذ الاقتصاد بأكاديمية العلاقات الدولية بإسطنبول قال إن السيسي منذ اليوم الأول للانقلاب كان جاهزا بخطة اقتصادية أحد ركائزها إحلال الجيش محل العديد من الصناعات الوطنية الاستراتيجية وذلك يخدم الحكم العسكري علي مستويين، أولهما تقديم منافع للضباط وكبار القيادات يما يخلق حالة من الولاء عند التململ جراء السياسات الاقتصادية والأمنية المروعة التي يمارسها النظام ضد الجماهير.
ثانيهما، وهو الأهم والأكثر خطورة، ضمان سيطرة الجيش علي مجموعة من القطاعات الاقتصادية الرئيسية والتي تضمن له إن حدثت موجات ثورية جديدة التحكم في سلاسل توزيع تلك المنتجات ومعاقبة المارقين عن سياساته من خلال حرمانهم من تلك السلع الرئيسية.
ذكر الله: ما سبق كان التفكير الاستراتيجي وما عدا ذلك من وجهة نظري لا يعدو كونه سلسلة من الإجراءات التنفيذية التي تهدف في النهاية لخدمة الخطة الاستراتيجية ، فمثلا سيطرة الجيش علي أراضي الدولة وهي أساس كل المشاكل الاقتصادية التي تعانيها مصر تهدف ليس فقط للاتجار والتربح من ورائها وإنما في الاساس لإنفاذ استراتيجية التحكم والسيطرة، كما أن سيطرته علي الطرق الرئيسية والسريعة يمكن قراءتها في إطار التربح من خلال رسوم عبور الطرق ، وكذلك وهو الأهم التحكم بسلاسل الإمداد والتموين للسلع الاستراتيجية لجموع المواطنين واستخدامها كورقة ضغط ضد أي حراك جماهيري.
ذكر الله: قرارات الإعفاء من الضرائب والجمارك المتعاقبة لصالح مشروعات الجيش هي في الأساس تهدف لخلق ميزة احتكارية لمشروعاته، واستحالة المنافسة بينها وبين أي مشروع أخر حكومي أو خاص وبالتالي إن عاجلا او آجلا سيحتكر الجيش تلك القطاعات ويتحكم في التوريد والامداد ويستخدم ذلك كأداة استراتيجية لمزيد من إحكام السيطرة على الأوضاع الداخلية.