العسكر والدستور في تركيا (٢)

*سامي كمال الدين
بعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك، فرض الجيش عصمت إينونو على البرلمان كمرشح رئاسي، ولعب دورًا رئيسيًا في تنصيبه رئيسًا للجمهورية.
في المرحلة من 1939 وحتى 1950 حدث متغيرات عالمية أثرت على تركيا بشكل كبير، إذ جرت الحرب العالمية الثانية على تركيا أزمات سياسية واقتصادية كبيرة، ومع بدء الحرب برز اهتمام الجيش بالقضايا السياسية بشكل أكبر.
يصف د طارق عبد الجليل في كتابه ” العسكر والدستور في تركيا” الصادر عن دار نهضة مصر حالة الجيش المتدهورة مقارنة بالجيوش الأوربية الأخرى، لأن القوات المسلحة التركية كانت توفر احتياجاتها في ذلك الوقت من الأسلحة من عدة دول، ومنذ عام ١٩٣٧ بدأت الاعتماد على أمريكا في شراء مستلزماتها الحربية، وتحصل على الأسلحة من إنجلترا وألمانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا، “وكان شراء هذه الأنواع من الأسلحة عائقا أمام قدرة استيعاب الضباط الأتراك على التعامل مع كل هذه الأنواع المختلفة من الأسلحة. كما كانت الدبابات قديمة ومتهالكة، وكذلك كانت السكك الحديدية والطرق والشاحنات في حالة متردية، ولم يكن احتياطي الغذاء يلبي احتياجات الشعب والجيش”.
هذا وغيره دعا إلى أن يشكل صغار الضباط جبهة معارضة ضد إدارة عصمت إينونو والمشير جاقمق “ويمكن القول إن فكرة التدخل العسكري في السياسة بدأت في تركيا بين صغار الضباط في بداية الأربعينات، وتولدت هذه الفكرة من شعور الضباط بالدونية أمام الضباط الأوربيين والألمان بوجه خاص… ورأى هؤلاء الضباط أن مسؤولية هذا التردي العسكري إنما تقع على عاتق السلطة السياسية. ومن ثم بدأ أول التنظيمات العسكرية يشكل سرا منذ بداية الأربعينيات بهدف الإطاحة بالسلطة السياسية القائمة”.
بعد انضمام تركيا للحرب العالمية الثانية بدأت عملية إعادة صياغة أمريكية للجيش التركي وهو ما عرف بمبدأ “ترومان”، وذلك في محاولة أمريكية للحفاظ على المصالح القومية الأمريكية والنفوذ الأمريكي، لمحاربة امتداد الشيوعية في جنوب شرق أوربا وغيرها من البلاد، ومن هنا أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان أمام الكونغرس في مارس ١٩٤٧ على تقديم دعم عسكري، ودعم شبه عسكري لتركيا واليونان بقيمة ٤٠٠ مليون دولار.
اندفع الجيش التركي ليلعب دوره حسب الاستراتيجية الأمريكية التي تمثلت في تطويق الاتحاد السوفيتي “صيغت الاستراتيجية الأمريكية بشأن تركيا على نحو يراعي مصالح الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية من خلال قبول نظرية الحرب الأمريكية داخل القوات المسلحة التركية، وأمركة التعليم العسكري، واحتكار أمريكا لتوريد الأسلحة إلى تركيا، وأن يتم تأسيس البنية التحتية لتركيا وطرقها البرية وجسورها وأنفاقها وموانئها حسب الاستراتيجية الأمريكية.
بعد دعم تركيا لواشنطن في الحرب الأمريكية الكورية أصبحت عضوًا في حلف الناتو ، لتدخل مرحلة جديدة في السياسة العالمية، لكن الأمريكان حولوا هذه العلاقة لخدمة مصالحهم فقط على حساب الجيش التركي، ما أوجد حالة من التبرم والغضب بين ضباط الجيش، وأن ما يحدث يخالف مبدأ أتاتورك “الاستقلالية التامة”، ثم ساد التذمر أكثر بسبب التمديد لكبار الضباط، وإطالة مدة الترقيات بين الرتب الصغيرة، ثم صدور قرار عام ١٩٤٩ بتبعية رئاسة الأركان لوزارة الدفاع، “وهو ما اعتبره العسكريون فقدانا لاستقلاليتهم عن الحكومة وخضوعًا للسلطة المدنية، فقد كانت تابعة منذ قيام الجمهورية وبشكل مباشر لرئيس الجمهورية. وكان رئيسًا عسكريًا حتى ذلك الحين ( أتاتورك واينونو).”
عام ١٩٥٠ وصل الحزب الديمقراطي إلى مقاليد السلطة عبر الانتخاب، وهزم الحزب الجمهوري، حزب أتاتورك الذي يعتبر الحزب الرئيسي في الدولة “وهكذا ألغيت وضعية الاستقلالية التي كانت تتمتع بها رئاسة الأركان، وألغي تعيين رئيس الأركان باقتراح رئيس الجمهورية وموافقة رئيس الوزراء، وألغيت سلطة رئاسة الأركان في إقامة علاقات مباشرة مع الوزارات. كما ألغيت سلطة رئاسة الأركان في تشكيل مجلس الشورى العسكري”.
دعم صغار الضباط الحزب الديمقراطي للوصول إلى السلطة، وأقروا بأنه إذا وصل الحزب الجمهوري للسلطة سوف نقوم بتنفيذ انقلاب عسكري يطيح به، لكن ما إن وصل الحزب الديمقراطي إلى السلطة، عجز عن تحقيق آمال وطموحات صغار الضباط الاقتصادية والاجتماعية والوظيفية، وتجنب مواجهة الجنرالات، ثم في مرحلة لاحقة أحكم سيطرته على الجيش وإخضاعه لأوامر السلطة السياسية.
تضايق الضباط من تصريحات رئيس الوزراء عدنان مندريس، واعتبروا عباراته تحقيرًا للجيش مثل إطلاقه عليه جيش “بَطَّال غازي” أي أنه جيش بدائي غير نظامي، وقوله ” يمكنني أن أدير الجيش بالضباط الاحتياطيين”.
تزايد التوتر بين الجيش والحزب الديمقراطي أدى إلى عودة التنظيمات السرية داخل الجيش.
في ٢٧ مايو عام ١٩٦٠ قام صغار الضباط للقيام بانقلاب على الحزب الديمقراطي، لأجل استعادة الجيش لهيبته وسطوته بعد الإهانات المتكررة التي تعرض لها من قبل الحزب الديمقراطي، بينما كان الهدف المعلن للانقلاب حماية العلمانية والديمقراطية، وهو غير صحيح بدليل أن هذا الانقلاب أسفر عن دستور جديد قلص الحريات ومناخ الديمقراطية!
نواصل…
للاطلاع على الجزء الأول يمكن الرجوع للرابط التالي:
———–
*كاتب صحفي مصري