تقلصت بشكل كبير.. هل تتحول موائد الرحمن في مصر لمجرد ذكرى؟

Published On 21/5/2019
هل أصبحت موائد الرحمن في شهر رمضان مجرد ذكرى جميلة في شوارع مصر بعد ارتفاع الأسعار والقيود الحكومية، وتجميد نشاط وحل مئات الجمعيات الخيرية التي كانت تتولي إعداد بعض هذه الموائد؟
تقلص واضح:
- مصر تشتهر بإقامة آلاف الموائد التي تعد معلما بارزا يميز كافة أحياء ومدن مصر منذ مئات السنين، لكن الموائد التي كانت تنتشر بكثرة في شوارع مصر، لإطعام الصائمين والمسافرين، تقلص عددها بشكل واضح في السنوات الأخيرة.
- هذا الانحسار جاء بسبب غلاء الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية لغالبية المصريين، وكذا القيود الأمنية، وغلق وتجميد أموال العشرات من الجمعيات الخيرية والأهلية التي كانت تقيم موائد رمضانية، وغياب الأحزاب والتيارات الإسلامية التي كان لها نصيب من هذه الموائد.
- تعيش نسبة 60% من سكان مصر، البالغ عددهم 100 مليون، إما في مستوى الفقر، أو عرضة للفقر، بحسب إحصائيات البنك الدولي التي أثارت ضجة هذا الشهر في مصر.
- حكومة حازم الببلاوي، أول رئيس وزراء عقب انقلاب 3 يوليو 2013، أصدر قرارًا بتجميد 1033 جمعية خيرية بتهمة انتمائها أو تبعيتها لجماعة الإخوان المسلمين، ما جفف نسبيًا بعض منابع الأعمال الخيرية في مصر خلال شهر رمضان، ومنها موائد الرحمن.
- في الآونة الأخيرة، أصدرت غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي، عدة قرارات بحل عدة جمعيات أهلية “إخوانية” قالت إن عددها بلغ 1074 جمعية، بعد حظر جماعة الإخوان المسلمين.
- ترتب على هذا تناقص عدد الموائد التي تنظمها هذه الجمعيات حاليًا، بحوالي 80% عما كانت عليه عام 2012.

فقراء القاهرة يفطرون على طعام متعفن:
- صحيفة “التايمز” البريطانية قالت في تقرير عن هذه الموائد إن “فقراء القاهرة يفطرون على عظام الدجاج وفتات متعفن”، وذلك في إشارة إلى شراء بعض القائمين على موائد إفطار بقايا أطعمة تباع في أسواق شعبية عبارة عما تبيعه فنادق من بقايا الطعام، ويشتريها تجار ويبيعونها في أسواق شهيرة منها سوق حي كرداسة الفقير في الجيزة.
- من يزور هذه الأسواق يجد فيها بقايا “جاتوهات” وحلوى مهروسة وجبنة يبدو عليها العفن وأرجل وهياكل وعظام فراخ ولحوم تباع بالكيلو بأسعار زهيدة، وبعضها يبدو عليه أنه فسد، ولكن تضطر الكثير من الأسر الفقيرة وأصحاب الدخل الزهيد للإقبال عليها لعدم قدرتهم على شراء الحلوى أو اللحوم وغيرها.
كم عدد الموائد الرمضانية؟
- لا يوجد إحصاء دقيق بعدد الموائد الرمضانية التي تقام حاليا في مصر، وهناك غياب للمعلومات الدقيقة بشأن حجم الظاهرة، لهذا يصعب رصدها بالأرقام والدراسات.
- لكن جولة في شوارع القاهرة، الأفضل حالًا من محافظات أخرى فقيرة، تبين بوضوح تقلص أعداد الموائد، فبعدما كان لا يخلو شارع أو ميدان من مائدة أو اثنين، أصبح العثور على مائدة في منطقة شعبية نادرًا.
- أيضًا اختلفت نوعية الطعام المقدم، وباتت أكثر تواضعًا بسبب الغلاء الحاد في أسعار اللحوم والدواجن وحتى الأرز وتضاعفها، بعد منع زراعته في نصف الأراضي المصرية لتوفير مياه النيل في ظل أزمة سد النهضة الإثيوبي، ما يضطر أصحاب الموائد لشراء سلع رخيصة.
- مجلة “الأهرام الاقتصادي” ذكرت أن أعداد موائد الرحمن انخفضت بنسبة تصل إلى 40% عن عام 2017 بسبب الظروف الاقتصادية، منها تحرير سعر الصرف وارتفاع الأسعار.

تكاليف موائد الرحمن ومن يعدها؟
- يشكل أصحاب المحال التجارية والمصانع والتجار غالبية منظمي موائد الرحمن في شوارع مصر، يضاف لهم بعض الجمعيات والمساجد والكنائس، بأعداد قليلة للغاية، لهذا يقع العبء عليهم في إطعام غالبية الفقراء وعمال النظافة وغيرهم من الأسر التي تفترش الشوارع من بعد صلاة العصر استعدادا لبدء تجهيز الموائد.
- الظاهرة الملفتة، بحسب جولة لـ “الجزيرة مباشر” بشوارع القاهرة التاريخية، هي أن الإقبال على المائدة، لم يعد من جانب الأفراد فقط، إذ تتحلق أسر بأكملها حول الموائد، ما يشير لعدم قدرة أرباب كثير من الأسر على توفير الطعام لأسرهم وانتهاز فرصة الشهر الكريم لتناول ما حرموا منه.
- تاجر غلال –رفض ذكر اسمه– قال لـ “الجزيرة مباشر” إن تكلفة المائدة الواحدة في رمضان كانت (قبل تعويم الجنية مقابل الدولار ليرتفع الدولار الواحد من 7 الي 17 حاليا)، كانت حوالي 180 -200 ألف جنيه وزادت بعد التعويم لتصل إلى 350 – 400 ألف جنيه.
- ياسر طلعت، تاجر مواد غذائية، وأحد منظمي موائد الرحمن في شمال القاهرة، يقول إن المائدة التي يقوم بإعدادها، وتضم قرابة 150 فردًا كانت تتكلف حوالي 40 ألف جنيه في الشهر أو أكثر (الدولار كان وقتئذ يعادل 10 جنيهات وحاليا 17 جنيها) قبل 4 سنوات، والآن أصبح لا يكفي 250 ألف جنية لإقامتها، رغم تقليل الكميات وزيادة أعداد من يقبلون على المائدة لاختفاء موائد أخري كانت تقام بجانبه.
- ارتفع سعر كيلو اللحم بين 140 و170 جنيها في السوق الحر، ما دفع أصحاب موائد للاعتماد على لحوم محلية أو مستوردة تبيعها الآلاف من منافذ بيع وعربات للجيش والشرطة بنصف أسعار السوق الحر، وكذا بعدما ارتفع سعر الدجاجة إلى 80 جنيها مقابل 40 لدى فروع بيع الجيش والشرطة، ولكن ظلت أسعار الخضروات والأرز والمكرونة وباقي مستلزمات الموائد باهظة الثمن.

- طلعت أضاف “غاب حوالي 75% من ممولي موائد الرحمن وتناقصت أعدادها، والكثير من التجار أصبحوا يفضلون توصيل حقائب رمضانية للمحتاجين في منازلهم أو إعداد وجبات تُعدّ وتُرسل إلى الفقراء في البيوت، أو تُوزع على المستشفيات ودور الأيتام والمسنين، وتُقدّم أحيانا للمارة في الشوارع في وقت الإفطار”.
- مشرفة على إحدى الجمعية الأهلية في منطقة شبرا الشعبية بالقاهرة، لفتت إلى أن الوجبة الواحدة تتكلف حوالي 30 إلى 50 جنية.
- بعض الكنائس كانت تقوم بعمل موائد للرحمن كنوع من الوحدة الوطنية مع المسلمين، ولكنها لا تحتاج لنفس الشروط الأمنية لإقامة الموائد، ولكنها توقفت هذا العام باستثناء البعض منها.
- أيضا انتشرت ظاهرة إقامة بعض الفنانات والراقصات موائد الإفطار في مصر، ولقي بعضهم انتقادات وسخرية، ولكن هذه الموائد اشتهرت بأنها الأفضل ويشرف عليها طباخون محترفون، وظل بعضها مثل مائدة الممثلة والراقصة الشهيرة فيفي عبده حتى عام 2017، ولكن هذه الموائد أيضًا تقلصت بدون أسباب واضحة.
القيود على موائد الرحمن:
- بجانب الغلاء وارتفاع أسعار الطعام، وخروج الموائد التي كانت تقدمها مئات الجمعيات الخيرية المجمد نشاطها أو تم حلها، وضعت الحكومة المصرية ضوابط لم تكن مفروضة من قبل على السماح بإقامة موائد الرحمن، خاصة الكبيرة منها، وفرضت تراخيص لها.
- من هذه الضوابط الحكومية التي بدأ فرضها منذ عام 2017، ضرورة الحصول على موافقات أمنية وتراخيص من الأحياء والمدن التي تقام فيها، واشتراطات بيروقراطية وأخرى أمنية لإقامة موائد الرحمن، وهذه الاشتراطات الحكومية لم تكن موجودة من قبل.
- هذه الضوابط بعضها “شكلي” مثل عدم إقامتها في شوارع رئيسية أو ميادين، وتوافر وسائل الأمان والحماية المدنية بها لمنع الحرائق، وخضوع الموائد لإشراف الطب البيطري والصحة، لمتابعة الاشتراطات الصحية والأطعمة المقدمة، وبعضها “أمنى” لضمان ألا يقيم الموائد محسوبون على تيارات إسلامية أو معارضين، أو تُستغل لأغراض دينية أو سياسية، حسبما قال مصدر أمنى رفض ذكر اسمه لـ “الجزيرة مباشر”.
- وصل الأمر لظهور أخبار في وسائل الإعلام المصرية عن “حملات مداهمة لموائد الرحمن”، بحجة عدم استيفاء الاشتراطات الصحية، فيما أعلنت محافظة الجيزة عن تحديد ضوابط لموائد الرحمن من أهمها “عدم إشغال الطريق العام أو تعطيل حركة المرور”، وهي ضوابط إدارية ولكنها لا تخلو من الموافقة الأمنية.

تاريخ موائد الرحمن في مصر:
- يعود تاريخ موائد الرحمن لأحمد أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية “قبل 1200 عام”، وقد اختفت موائد الرحمن لفترة حتى عادت في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، ثم تراجعت مرة أخرى في عصر المماليك والعثمانيين بسبب الحروب.
- اكتفى المصريون في العهد المملوكي ببعض المظاهر البسيطة، وعندما جاء الاستعمار الفرنسي والإنجليزي بدأت الجمعيات الخيرية تعيد إحياء موائد الرحمن للفقراء.
- في القرن العشرين، بدأت في العودة مرة أخرى تحت رعاية حكومية لبنك ناصر الاجتماعي، الذي كان يقيم مائدة بجوار الجامع الأزهر، يفطر عليها أربعة آلاف صائم من أموال دافعي الزكاة وبدأت موائد الرحمن بالازدهار لاحقًا لتصبح ظاهرة مرتبطة بالشهر الفضيل.
المصدر: الجزيرة مباشر