“التجويع بسبب الرأي”: حرمان المنتقدين من العمل في مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

كشف تقرير حقوقي مصري عن أن التضييق على معارضين وصل إلى تجويعهم، عبر حصارهم في أعمالهم أو فصلهم والتضييق عليهم، وأن من بين من جرى تجويعهم، قضاة وصحفيون وأكاديميون ومذيعون.

التقرير الذي أعدته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كشف بعض سياسات التجويع التي باتت تستهدف المنتقدين والمعارضين في مصر، سوء الفصل من العمل أو الحرمان منه “عقابا لهم على عدم الولاء للسلطة او انتقادها أو الجهر بآراء مغايرة”، فاعتبرتهم الاجهزة الرسمية “أعداء الوطن”، وشنت عليهم حرب تجويع، وترصد “الجزيرة مباشر” حالات أخري لم يذكرها التقرير.

المكارثية الجديدة في مصر
  • تحدث التقرير الحقوقي عما أسماه “المكارثية” الجديدة في مصر، في إشارة الي حقبة المكارثية في الولايات المتحدة خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي. وهي كلمة منسوبة للسيناتور الأمريكي اليميني الجمهوري “جوزيف مكارثي” حينما نشر قائمة تضم مئات الأسماء يتهمهم بالعداء لأمريكا وخيانة الوطن، وضمت اسماء عديدة مثل الفنان تشارلي شابلن، والكاتب الشهير آرثر ميللر، ومارتن لوثر كينغ، وحتى أينشتاين.
  • على غرار حرمان أمريكا حينئذ لهؤلاء “أعداء الوطن” من العمل، وطرد الالاف من المواطنين الأمريكيين من أعمالهم بزعم الخيانة، قبل أن يتم الكشف عن فساد جوزيف مكارثي نفسه واعتبار ما جي “نقطة سوداء ضد حرية التعبير وحق الاختلاف”، تنفذ السلطة في مصر حاليا حملة مشابهة.
  • تجلت المكارثية المصرية اليوم في استخدام سياسات التجويع والتنكيل ضد العديد ممن يتم اتهامهم من دون أي دليل أنهم “ضد البلد” أو “عدو للوطن” ووصف حقوقيين بأنهم “ممولين”، ومعارضين بالخارج بأنهم “خونة”، وصحفيين عاملين بوسائل اعلام دولية بأنهم “عملاء”.
  • أيضا جري اتهام مئات من المثقفين والسياسيين والحقوقيين والفنانين والكتاب والصحفيين، وتعرض أعداد كبيرة من المواطنين للتنكيل والطرد من وظائفهم بسبب مزاعم لا أدلة عليها عن كونهم “اخوان” أو “خونة” أو “إرهابيين” و”اعداء للوطن”.
  • تلك الحملة تم التوسع في استخدامها بأريحية، نظراً لعدم حاجتهم لتوافر أدلة حقيقية ضد المستهدف من الحملة، فيكفي انتقادك للنظام بمقال، أو تعليق على صفحات التواصل الاجتماعي، أو تقرير حقوقي، او لقاء تلفزيوني مع قناة أجنبية، لتصبح عدو الوطن، ويصبح استمرارك في العمل صعبا، ومصدر رزقك مهددا ومستهدفا بالتجويع.
هدف الحملة المكارثية

تتلخص اهداف هذه الحملة المكارثية التي تشنها السلطة وأنصارها ضد معارضيها، بحسب التقرير، فيما يلي:

  • ترهيب وتخويف المواطنين من الاعتراض على أي أمر يخص النظام الحاكم، مثل قانون أو إجراء أو سياسات مهما كانت باطلة أو متعسفة.
  • التخلص من المنافسين في العمل وأهل الكفاءات لصالح الأقارب وأهل الثقة.
  • التقرب من النظام بتقديم بلاغات كيدية ضد أي معارض أو منتقد لكسب ود الدولة وممثليها من رجال الشرطة والإعلام التابع أو المقرب للنظام.
من هم ضحايا المكارثية؟
  • ظهر استخدام سلاح التجويع ضد المعارضين للنظام منذ يونيو/حزيران 2013 وتصعد وصولاً لليوم، وحصد هذا السلاح القاسي حياة الكثيرين وتسبب في فصلهم عن العمل بدون أسباب إلا أنهم معارضين للنظام، برغم ذكر اسباب رسمية تخالف الحقيقة.
  • شمل هذا الملف سياسيين وحقوقيين وصحفيين، كما أتسع ليشمل معتقلين سابقين سياسياً حكم أو لم يحكم عليهم بالأساس، بالإضافة لمواطنين ليس لهم نشاط سياسي لكن اظهروا شيء من الامتعاض عن إحدى خطط النظام.
  • هناك “قضاة” تعرضون لهذه المكارثية ذكرهم التقرير، أبرزهم القاضيان هشام رؤوف وعاصم عبد الجبار لأنهم شاركوا في مراجعة مسودة قانون ضد التعذيب، حيث تعرضوا لمحاكمة تأديبية جراء قيامهما بتقديم الجهد الطوعي لمراجعة مسودة لقانون لحظر التعذيب، اعدته مؤسسة مجتمع مدني “المجموعة المتحدة” التي يديرها المحامي الحقوقي نجاد البرعي، والقاضيان معرضان للفصل وجري استقطاع مبالغ من اجورهما وتضييق مالي.

هناك قضاة آخرون لم يذكرهم التقرير الحقوقي تعرضوا للفصل الكامل وحرمانهم من وظائفهم لأنهم أصدروا بيانات تعارض انقلاب 3 من يوليو/تموز 2013، وطالبوا بعودة الرئيس السابق محمد مرسي، وآخرون لأنهم عطلوا أحكام الاعدام لمعارضين وغيرهم ممن أصدروا احكام تعتبر التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية باطل قانونا:

على النحو التالي:

  • أصدر مجلس إدارة نادى القضاة، برئاسة أحمد الزند، قرارًا في يوليه 2013 بشطب 75 قاضياً ينتمون إلى «قضاة تيار الاستقلال» من عضوية الجمعية العمومية لنادى قضاة مصر، وفي 14 من مارس/أذار 2016 أحال مجلس تأديب وصلاحية القضاة 31 مستشارا من المتهمين بالتوقيع على بيان يرفض عزل الرئيس محمد مرسى إلى “الصلاحية”، أي المعاش المبكر، ثم صدر حكما نهائيا بعزل 15 قاضيا بتهمة الانضمام لحركة قضاة من أجل مصر، المعروفين إعلاميا بقضاة “بيان رابعة”، وفي مايو/أيار 2016، صادق السيسي، الأربعاء، على قرار بعزل 44 قاضياً من مناصبهم وإحالتهم إلى التقاعد، على خلفية اتهامات؛ بينها الاشتغال بالسياسة وإصدار بيان يدعم اعتصام “رابعة العدوية”.
  • في مارس/آذار 2017 وعقب تمرير البرلمان قانون جديد يسمح للرئيس السيسي بتعيين رؤساء الهيئات القضائية خلافًا لقاعدة “الأقدمية” المعمول بها، جري استهدف قضاة يحل عليهم الدور للتعيين كرؤساء لهذه الهيئات ومنعهم من الوصول لهذه المناصب، وإحالتهم للمعاش، أبرزهم المستشارين أنس علي عبد الله عمارة، الذي كان مرشحا لرئاسة محكمة النقض ونقض عدة أحكام بالإعدام على معارضين، والمستشار يحيى دكروري المرشح لرئاسة المحكمة الإدارية العليا، لأنه صاحب الحكم الشهير ببطلان اتفاقية تيران وصنافير.
  • تمت إحالة المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي قضاة مصر الأسبق إلى المعاش، في واقعة اتهامه بالتورط في اقتحام مقرات جهاز أمن الدولة المنحل إبان ثورة 25 يناير، وعلّق عبد العزيز معتبرا أنه “تصفية حسابات مع ثورة 25 يناير”.
صحفيون وإعلاميون تعرضوا لهذه المكارثية أبرزهم:
  • فصل أربعة صحفيين بجريدة اليوم السابع (سمر سلامة وعبد الرحمن مقلد وماهر عبد الواحد ومدحت صفوت) لأنهم عارضوا تسليم مصر تيران وصنافير للسعودية، واستدعاهم رئيس التحرير خالد صلاح في يونيو 2017، وأبلغهم أنهم ينتقدون الرئيس بشكل علني عبر حساباتهم الشخصية على فيسبوك، وأنهم من ضمن الموقعين على بيان يرفض موقف الحكومة المصرية من توقيع اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، وقام بفصلهم.
  • مذيعة القناة الثالثة “عزة الحناوي” التي انتقدت الرئيس السيسي علنا في القناة الحكومية بعدما غرقت الاسكندرية في الامطار، وطالبت بمحاسبة كل المسئولين، بما فيهم رئيس الجمهورية.
  • تعرضت “الحناوي” منذ عام 2015، للإيقاف، والتحقيقات، والخصم من المرتب، حتى تم ايقافها تماما عن العمل، وملاحقتها بالبلاغات القضائية المعتادة بتهمة “خيانة الوطن”، و”اهانة رئيس الجمهورية”، وبسبب الحرمان من العمل والتجويع، اضطرت للخروج من مصر والاغتراب.
  • الصحفي محمد فوزي، الذي تعرض للفصل من مجلة “عين” الإماراتية بسبب كتاباته على صفحته الشخصية على «فيسبوك»، ودعمه المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، ومعارضته للسلطة.
وتعرض موظفين للفصل من أعملهم بسبب آراءهم السياسية وكمثال:
  • تعرض عدة شباب (ذكرهم التقرير) للملاحقة الأمنية وللاختفاء القسري لمدة عام ثم الاعتقال وسُجن 6 أشهر، وجري فصلهم من العمل بسبب أراءهم المعارضة للنظام، أو اتهامهم بالترويج للخروج في مظاهرات أو لأن أحدهم ظهر حاملاً علم مصر رافضاً بيع جزيرتي تيران وصنافير.
  • تعرض الكثير من الموظفين للفصل من العمل والتجويع بدعاوي أنهم “إخوان” وكشفت مصادر إعلامية أن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة وبناء على أوامر أمنية بدأ في مراجعة ملفات 112 ألف موظف تقول الأجهزة الأمنية أنهم التحقوا بالجهاز الإداري للدولة في عهد الرئيس محمد مرسي، طالبت الأجهزة الأمنية بمراجعتها، وإنهاء خدمة من يثبت منهم انتماءه لجماعة الإخوان المسلمين.
  • أيضا قال الدكتور صالح الشيخ، رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، إن «هناك بعض الجهات الحكومية أخطرت الجهاز بأسماء موظفين يعملون لديها، وينتمون للجماعات المحظورة والإرهابية»، وأن هذه الجهات هي المسؤولة والمختصة باتخاذ إجراءات مع الذين يثبت انتماؤهم لهذه الجماعات، طبقاً لـ «قانون الخدمة المدنية»، الذي يشترط توافر النزاهة والكفاءة لدى موظفي الدولة.
  • أيضا تردد اعداد مجلس النواب قانون يقضي بعزل المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين من الجهاز الإداري، قدمه النائب محمد أبو حامد.
  • وترددت انباء عن فصل حوالي 200 موظف في مجلس النواب ووزارتي الخارجية والعدل، من الوظيفة العامة أو نقلهم إلى هيئات خدمية لا تناسب خبراتهم أو مؤهلاتهم تابعة لوزارات النقل والزراعة والتعليم، بدعوي إجراء تحريات أمنية واسعة بينما الهدف هو ابعاد معارضين.
  • أيضا تعرض أكاديميون لهذه المكارثية منهم “تقادم الخطيب” المدرس مساعد بالجامعة، والذي تعرض بعد حصوله علي منحة دراسية لدراسة الدكتوراه بألمانيا وسافر بالفعل وبدأ الدراسة، للتهديد ثم الفصل من جامعته بسبب دوره في احضار الوثائق التاريخية التي تثبت ملكية مصر لجزيرتي تيران وصنافير؛ وقدمت تلك الوثائق للمحكمة التي حكمت بأحقية مصر التاريخية في الجزيرتين.
  • عقب تهديده من قبل المستشار الثقافي للسفارة المصرية ببرلين (الدكتور أحمد فاروق غنيم أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والملحق الثقافي للسفارة حينها ببرلين)؛ بضرورة تسليم جواز سفره أو سيتم إيقاف منحته الدراسية، تم إلغاء منحته الدراسية وفصل من عمله بالجامعة مدرسا مساعدا، ليصبح من دون عمل ولا أي دخل يعينه على حياته و دراسته في ألمانيا، وليس هذا فحسب، بل إنه معرض للخطر إذا قرر العودة لمصر.
المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان