مقر الحكم الجديد بمصر هل يُعطل التمويل استكمال العاصمة الإدارية؟

يوم 13 من مايو/ أيار الجاري كشفت وكالة “رويترز” أن “العاصمة الجديدة لمصر في الصحراء تواجه التأخير بسبب صعوبات في التمويل”.
قالت “رويترز” إن المشروع الذي تقدر تكلفته بحوالي 58 مليار دولار “يكابد لجمع التمويل وللتغلب على تحديات أخرى بعد انسحاب مستثمرين من المشاركة فيه”.
الوكالة نقلت عن اللواء المتقاعد أحمد زكي عابدين رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية المسؤولة عن تنفيذ المشروع، أن هناك “مشاكل ضخمة”، تواجهه أبرزها “جمع وتوفير تمويل يقدر بنحو تريليون جنيه مصري (58 مليار دولار) للسنوات القادمة”.

قالت “رويترز” أن المفاوضات الخاصة باتفاق قيمته 20 مليار دولار لتطوير المرحلة الثانية من المشروع مع شركة “تشاينا فورتشن لاند” الصينية لتطوير الأراضي، قد تعثر، ونقلت عن “عابدين” إنه “تم تأجيل العمل في المرحلتين الثانية والثالثة”.
رغم هذا نقلت الوكالة عن “ديفيد سيمز” مؤلف كتاب (أحلام الصحراء المصرية)، “إن الدعم الذي توفره الرئاسة والجيش في مصر للمشروع يجعله أكبر من أن يفشل”.
ومع هذا اعتبر اقتصاديون تصريحات رئيس شركة العاصمة عن تعثر تمويل المشروع، وتوقف المرحلتين الثانية والثالثة، بمثابة جرس إنذار ويطرح مخاوف عن احتمالات ضياع مليارات الدولارات التي تم إنفاقها في المشروع الذي انطلق عام 2015.
كيف ردت الحكومة؟
- دفع هذا اللغط الذي أثير حول احتمالات تعرض المشروع الضخم للتوقف بسبب التمويل، المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، لنفي توقف الإنشاءات بالعاصمة الجديدة نتيجة ضعف التمويل.
- قال المركز الإعلامي أن تنفيذ المشروعات “يسير وفق جداول التنفيذ المخطط لها سواء من حيث الجوانب التمويلية أو التوقيتات الزمنية أو معدلات الإنجاز الفعلي على أرض الواقع، وكل ما يثار شائعات تستهدف إثارة البلبلة وغضب الرأي العام”.
- أكدت الشركة أن إجمالي عدد شركات المقاولات العاملة في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة تتجاوز الـ 400 شركة وتم الانتهاء من تنفيذ حوالي 50% من مشروعات المرحلة الأولى بالعاصمة والتي تشمل الحي الحكومي، وحي المال والأعمال، وكذا أحياء سكنية، وتشييد البرج الأيقوني.
- قال اللواء أحمد زكي عابدين رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية إن حوالي 20% من الاستثمارات في المدينة الجديدة فقط جاءت من الخارج، ومنها 4.5 مليار دولار من الصين.

حقائق عن العاصمة الإدارية:
-
تعتمد العاصمة الإدارية في إيراداتها على حصيلة بيع الأراضي المرفقة والتي تقدر بنحو 200 مليار جنيه (الدولار حوالي 17 جنيه) من بيع 18 ألف فدان، منها 60 مليار جنيه عوائد العام الماضي.
-
تأسست شركة العاصمة الإدارية برأس مال 203 مليار جنيه، ويساهم فيها بنسبة 29% جهاز مشروعات الخدمة الوطنية (الجيش) و22% لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، و49% هيئة المجتمعات العمرانية (حكومية).

-
لن يدخل جنيه واحد من حصيلة بيع ثمن أرض العاصمة الإدارية التي تبلغ مساحتها 170 ألف فدان، أو بيع مباني القاهرة التاريخية القديمة التي تم تقدير قيمتها بحوالي 700 مليار جنيه، حسب خبراء، للخزانة العامة للدولة المصرية ولكنه من نصيب شركة العاصمة الإدارية.
-
قال العميد خالد الحسيني المتحدث الرسمي لشركة العاصمة الإدارية في حوار مع برنامج “بتوقيت مصر” على قناة BBC إن “من حقهم الحصول على المباني الحكومية التاريخية القابعة في وسط القاهرة”، وأغلبها قصور تاريخية، ومبان أثرية.
-
الاهتمام بالعاصمة الجديدة نابع من كونها مقر الحكم الجديد ومقر ما تسميه صحف ودوريات أجنبية “المنطقة الخضراء” التي سيتحصن فيها السيسي ونظامه، وتضم ما يسمي “الكيان العسكري” وبه كافة أجهزة الأمن والدفاع (مبني الأوكتاجون Octagon الأضخم من البنتاجون والذي يتكلف 2.2 مليار جنيه) والمخابرات وقصر الرئاسة، لحماية رموز السلطة من أية مظاهرات مستقبلية.
-
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، صورًا لأسوار خرسانية ضخمة بارتفاع حوالي 7 أمتار، ادعوا أنها تحيط بالعاصمة الإدارية الجديدة، وهو ما يصفه معارضون، مثل كمال خليل أحد زعماء تيار الاشتراكيين الثوريين بأنه “جدار عازل” لضمان تحصين من بداخل العاصمة من أي اعتداءات أو مظاهرات وثورات غاضبة.
- لكن محمد عبد المقصود، رئيس جهاز العاصمة الجديدة، نفى بناء سور ضخم حول العاصمة الجديدة، وقال إن هذا “كلام فارغ” لأن العاصمة الإدارية على مساحة 180 ألف فدان، و”مجنون من يتصور أنه يمكن بناء سور حول هذه المساحة الضخمة”، ولكنه اعترف ببناء أسوار “في منطقة بقلب العاصمة، أو حول منشأة ما”، حسب قوله.
- بجانب احتضانها أطول برج في أفريقيا علي شكل مسلة فرعونية تعتزم شركة العاصمة الإدارية تنظيم أطول مائدة إفطار رمضاني في العالم بحضور ممثل عن موسوعة غنيس للأرقام القياسية سعيا لتحطيم الرقم القياسي العالمي وذلك خلال النصف الثاني من شهر رمضان.
- بدأ صب أساسات 8 أبراج ضخمة في العاصمة الإدارية، ولكن اندلع حريق ضخم يوم 18 من مايو/أيار الجاري بأحد أساسات إحدى ناطحات السحاب التي تنفذها الشركة الصينية، ونشرت صور للحريق على مواقع التواصل، ولكن الإعلام الرسمي تجاهل الحريق، ولا يعُرف حجم تأثيره على سير العمل.

كيف يرى مراقبون المشروع؟
- انتقد خبراء ومعارضون مصريون المشروع بدعوى أنه بلا دراسة جدوى، وأنه يبتلع أموال الدولة ويهمل مشاكل العاصمة القديمة، وبالمقابل أشاد خبراء اقتصاد بالاستثمار في هذا المشروع، وأكدوا أنه يهدف إلى النهوض بالاقتصاد وتوفير قاعدة صديقة للبيئة وفعالة للحكومة ولقطاع المال، فضلا عن توفير مساكن لما لا يقل عن 6.5 مليون شخص.
- انتقد الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق في كتابه “هل مصر بلد فقير حقاً؟ – الذي صُودر من المطبعة وتجري محاكمته بسببه – الإسراف في مشروعات تساهم فيما أسماه “إفقار المصريين” ومنها العاصمة الإدارية وتفرغ الحكومة فقط لأعمال المقاولات والطرق والعاصمة الإدارية، قائلا: أننا بصدد “عقل مقاولي إنشاءات”، وليس “رجال تخطيط وتنمية وعدالة اجتماعية، ورؤية بعيدة المدى لتصحيح الاختلالات العميقة في نمط توزيع الثروات والدخول”.
- قال الدكتور حسام عيسى نائب رئيس الوزراء الأسبق لقناة Extra news المصرية إن: “مشروع العاصمة الإدارية الجديدة ليس له جدوى ويجب أن تطرح كل المشاريع الكبرى للنقاش”.
- قال الدكتور حسن نافعة استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لوكالة أنباء “أسوشيتدبرس” إن “الخطأ يكمن في ترتيب الأولويات، ربما يريد السيسي أن يكتب التاريخ أنه الزعيم الذي شيد العاصمة الجديدة، لكن إذا لم ير المصريون أي تحسن في أوضاعهم المعيشية وتحسن في الخدمات، فسيذكره الناس على أنه الرئيس الذي دمر ما تبقى من الطبقة المتوسطة”.

- يعتقد الدكتور عمار علي حسن، الخبير في علم الاجتماع السياسي، أن محنة القاهرة سوف تزداد وطأة في ظل الاهتمام بالعاصمة الجديدة وإهمال القاهرة التاريخية قائلا: “يمكن أن تتعرض (التاريخية) للإهمال، وتزداد توحشا وغربة، وتترك لتموت تدريجيا”.
- قال المهندس المعماري والناشط السياسي ممدوح حمزة، إن العاصمة الإدارية الجديدة مشروع استثماري عقاري للأجانب في مصر، ولا تمت للعدالة الاجتماعية بصلة، وأنها “مدينة مستوردة، لن تخدم مصلحة المواطن المصري، ومجرد تقليد أعمي لمدينة “دبي”.
- انتقد الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تأسيس العاصمة الجديدة “نظرا للمشاكل التي يعيشها الاقتصاد المصري”، وتطرق إلى “المخاطر المرتبطة بالأمن القومي” بدعوي أنها مبنيه على طريق السويس الصحراوي، الذي سبق أن سيطرت قوات الاحتلال الإسرائيلية على جزء منه في نهاية حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 وخطورة تخيل وجود الإسرائيليين في نفس المكان، ما يعنى سقوط عاصمة الدولة في يد الاحتلال”.
- مقابل التخوف الأمني الذي يطرحه “السيد”، قال اللواء محمد علي بلال، نائب رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، والخبير العسكري، إن العاصمة الجديدة لا تشكل أي تهديد للأمن القومي، وأن اقتراب العاصمة الجديدة من محافظة السويس “يعطى حصانة عسكرية مطلوبة للمكان الجديد”، واعتبر العاصمة الجديدة “من الانجازات الكبرى”.
- انتقدت صحيفة الأهرام الحكومية التقارير الأجنبية التي تسعى لتشويه العاصمة الإدارية خاصة تقرير وكالة “اسوشيتدبرس” الأمريكية، وقالت إنه “تقرير مسموم” على طريقة “عواجيز الفرح”، ومحاولة لـ«تسميم» فرحة المصريين بقرب افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة، وعلى نفس منوال ما حدث إبان افتتاح قناة السويس الجديدة، التي كالوا لها أسوأ التهم والأكاذيب، قبل أن يتبين كذبهم.
ماذا تقول الدراسات الأجنبية عن المشروع؟
- قالت دراسة لدورية “وورلد بوليتكس ريفيو” World Politics Review إن العاصمة الإدارية التي يبنيها الرئيس السيسي “تعاني من نفاذ الأموال اللازمة لاستكمالها”، وأن المشروع تخارج منه وتراجع مستثمرون خليجيون كانوا أول من شارك في تمويله، ثم تبعهم الصينيون بعد المرحلة الأولى.
تنقل الدراسة عن “ديفيد سيمز” الخبير في مجال التنمية العمرانية أن العديد من المشاريع التي شيدها حكام مصر العسكريين، هي “أحلام وهمية فشلت، بسبب سوء التخطيط والفساد”. - قال بهي الدين حسن رئيس مركز القاهرة لحقوق الإنسان، في تعقيبه على هذه الدراسة السابقة، أن هذا يعبر عن “مأساة مصر مع حكامها المتعاقبين المولعين بدفن مواردها في الأسمنت وتكريس فقرها ورهنها لسداد الديون بعد توقف العاصمة الإدارية وانسحاب شركاء السيسي”، وأن الدراسة “تسخر من سعي الرؤساء العسكريين لتعويض شعورهم بالنقص ببناء مدن ومباني ضخمة لا جدوى لها لكنها توحي بعظمة زائفة”.
قال “حسن” أن “رؤساء مصر العسكريين عجزوا عن إنشاء نظام تعليمي عصري ونظام صحي فعال ومنارات للبحث العلمي ومراكز للتفكير الخلاق تنهض بشعبها كبقية دول العالم، بل أورثوها التخلف وبددوا مواردها كـ “تفريعة قناة السويس” وأبراج ومدن صحراوية توحي بعظمة وهمية، بينما هي نصب تذكاري تاريخي دائم على إفلاسهم”. - وصفت “ميشيل دن” خبيرة معهد كارنيغي للشرق الأوسط العاصمة الإدارية التي يبنيها السيسي في شرق القاهرة بأنها “منطقة السيسي الخضراء” التي يسعى للتحصن فيها من احتمالات تجدد الربيع العربي، وتساءلت: “هل تفلح عاصمة مصر الجديدة ومنطقة السيسي الخضراء في حمايته من شعبه؟”.
- قالت “دن” في دراسة نشرها مركز أبحاث “كارنيغي” للسلام، أن العاصمة الجديدة هي “إعادة بناء جدار للخوف يفصل المواطنين المصريين عن الدولة ومؤسساتها، بعدما تم تحطيم هذا الجدار الذي بناه رؤساء مصر السابقين (ناصر والسادات ومبارك) خلال انتفاضة 2011”.
- وصفت صحيفة “تايمز” البريطانية، العاصمة الإدارية بأنها “إحداث نقلة حضارية لمصر”، وقالت بعنوان “رؤية السيسي لمستقبل مصر تخرج للنور من الصحراء”، وأضافت أن خطة إنشاء عاصمة جديدة بحجم ولاية “نيويورك” الأمريكية في وسط الصحراء طموح للغاية وستقضي على البيروقراطية.

