كيف استقبل السودانيون اليوم الأول من رمضان؟

يخشى كثير من السودانيين أن تتضاعف معاناتهم في الحصول على احتياجاتهم الضرورية مع دخول رمضان، فالواقع لا يُوحي بانتهاء الأزمات، بعد شهر من الإطاحة بالرئيس المخلوغ عمر البشير.
المشهد في أول أيام رمضان بالخرطوم، يحكي عن عودة أزمة الوقود بصورة كبيرة، حيث تراصت السيارات أمام غالبية محطات البنزين، ما خلق نوعاً من الفوضى، على الرغم من إشراف عناصر يرتدون الزي العسكري على عمليات تنظيم الصفوف، وتوزيع الوقود.
وضربت أزمة وقود حادة السودان منذ أكثر من عام، تبعتها زيادة في أسعار الخبز، ما أشعل فتيل الاحتجاجات ضد نظام البشير، في 19 ديسمبر بمدينة عطبرة شمالي السودان، قبل أن تمتد المظاهرات إلى الخرطوم، وتؤدي إلى سقوط النظام السابق.
وقال نادر مأمون (34 عاماً)، إن الأوضاع في السودان تمضي من سيء إلى أسوأ.. لم نكن نتخيل أن تستمر معاناتنا إلى هذه الدرجة، على الرغم من إسقاط نظام البشير.
وأضاف مأمون في حديثه مع (الجزيرة مباشر): “نحن قمنا بالثورة وأسقطنا نظام البشير من أجل إيجاد حل لهذه الأزمات المتصلة، ولكن لا تبدو هناك بوادر للحل.. الأمور تسير عكس ما نرغب”.
وتراجع إنتاج السودان النفطي عقب انفصال جنوب السودان في العام 2011م، إلى أقل من 100 ألف برميل، بعد أن كان الإنتاج يصل إلى 450 ألف برميل، ما أوجد حاجة لاستيراد أكثر من 60% من المواد البترولية، لتلبية الاستهلاك المحلي.

وأمام الصرافات الآلية لا يبدو الوضع مختلفاً، حيث زادت طوابير الراغبين في سحب مدخراتهم المالية لمقابلة احتياجات شهر رمضان، بينما فشل بنك السودان المركزي في توفير النقود بغالبية ماكينات السحب الآلي في الخرطوم.
يقول بابكر عبد الكريم (51 عاماً): “نحن أمام مشكلة حقيقة، لأننا لم نتمكن من توفير أغراض شهر رمضان، على الرغم من دخول الشهر الفضيل يومه الأول، والسبب هو عدم توفر النقود في البنوك والمصارف والصرافات الآلية”.
وأضاف عبد الكريم في حديثه لـ(الجزيرة مباشر)، أن الأوضاع ليست مطمئنة، لكن لا يوجد ما يدعونا للتذمر أو الاحتجاج ضد المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية التغيير، لأن هذا الوضع ورثناه من النظام السابق، الذي فشل في حل أزمات الوقود، الخبز والسيولة طوال عام ونصف العام.
ويعاني السودانيون من عدم توفر الكهرباء بالصورة المطلوبة، إذ يغيب التيار عن غالبية أحياء الخرطوم، بما في ذلك خلال أول أيام شهر رمضان، في وقت شكا فيه بعض السكان من انقطاعات في مياه الشرب. بينما شهدت الأسواق ارتفاعاً كبير في أسعار السلع الأساسية وخاصة المرتبطة بشهر رمضان المعظم.
وفشل غالبية الموظفين في الإيفاء بكل احتياجات أسرهم لشهر رمضان، حتى في ظل قرار زيادة المرتبات، الذي اتخذه نظام البشير، قبل ثلاثة أشهر من سقوطه.
وكان النظام السابق قد رفع الأجور بواقع 500 جنيه لأقل درجة في هيكل الرواتب، وبواقع 2500 جنيه للدرجات العليا.
وأرجع أستاذ الاقتصاد بالجامعات السودانية عماد طيفور، الأزمات الحالية إلى فشل سياسات النظام السابق، وقال لـ(الجزيرة مباشر)، إن المواطنين فقدوا الثقة في القطاع المصرفي، بعدما انتهجت الحكومة السابقة سياسات انكماشية قلّصت بموجبها الكتلة النقدية، لإيقاف تراجع العملة الوطنية مقابل النقد الأجنبي، بعدما زادت نسبة سحب المدخرات البنكية من قبل عملاء البنوك، لشراء الدولار من السوق الموازي.
وأضاف طيفور، أن تلك السياسة أضرّت بالقطاع المصرفي، ولم تفلح في تثبيت سعر صرف النقد الأجنبي، لافتاً إلى أن السودان يعيش أزمة مركبة، تتمثل في حدوث الندرة مع الغلاء، حيث تنعدم السلع الأساسية، وترتفع أسعارها.
أستاذ الاقتصاد بالجامعات السودانية لفت إلى أن “هذه كلها تحديات أمام المجلس العسكري الانتقالي”، وقال إنه من الراجح أن يجر تجدد تلك الأزمات غبن المواطنين إلى المجلس، وربما إلى قوى إعلان الحرية والتغيير، لأنهم فشلوا – حتى الآن – في الاتفاق على الحكومة الانتقالية، المناط بها إيجاد حلول سريعة لتلك الأزمات المعقدة والمركبة.

في محيط القيادة العامة للجيش السوداني، يُغالب المعتصمون جراحهم، حيث اصطفوا بالآلاف في أول أيام رمضان، وتنالوا إفطارهم الرمضاني في ساحة الاعتصام الذي دخل شهره الثاني.
يقول منذر عثمان (22 عاماً): “نحن هنا من أجل استكمال أهداف ثورة ديسمبر، وخاصة نقل السلطة للمدنيين.. درجات الحرارة مرتفعة، لكن لابد أن نظل في نهارات رمضان القائظة بميدان الاعتصام، لأن تحقيق المطالب يحتاج إلى تضحيات.
وفي محاولة لتجنيب المعتصمين درجات الحرارة المرتفعة (تصل إلى 45 درجة)، نصبت منظمات طوعية مخيمات كبيرة داخل ميدان الاعتصام، وزوّدتها بمبردات الهواء، كما قامت بتجهيز الوجبات الخاصة بالإفطار الرمضاني.
وشهدت ساحة الاعتصام في أول أيام رمضان، وصول مئات السيارات المحملة بالفواكه والخضروات والأطعمة والعصائر، كما توافد آلاف المواطنين من أحياء الخرطوم المختلفة، يحملون الوجبات الجاهزة، وخاصة المصنوعة محلياً مثل العصيدة و”الحلو مر”، وهو مشروب سوداني يعتبر من لوزام شهر رمضان عند السودانيين.
هنا تقول راوية الأمين إنها جاءت من منطقة بري القريبة من موقع الاعتصام تحمل أطعمة أعدتها في المنزل، لإطعام المعتصمين.
وأضافت في حديثها لـ(الجزيرة مباشر)، أن غالبية سكان منطقة بري جاءوا بالطعام إلى موقع الاعتصام، استكمالاً لدورهم الثوري الطليعي خلال المظاهرات التي أدت للإطاحة بالنظام السابق.
عقب الإفطار وأداء صلاة المغرب، انخرط المعتصمون في البرامج الثورية، حيث أقيمت المخاطبات السياسية، بينما سيّرت أعداد غفيرة من المعتصمين مظاهرة بالقرب من الأبواب الرئيسية للقيادة العامة للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين، قبل أن تنخرط قطاعات واسعة من المعتصمين في أداء صلاة التراويح.