هل تعد أفغانستان أسوأ فشل لبريطانيا منذ أزمة السويس؟ مؤرخة بريطانية تجيب

جندي بريطاني لدى وصوله إلى أفغانستان في أغسطس الماضي (رويترز)

تساءلت الأكاديمية والمؤرخة البريطانية تشارلوت ليديا رايلي في مقال بصحيفة (الغارديان) البريطانية عما إذا كان الانسحاب من أفغانستان وفرض حركة طالبان لسيطرتها على البلاد هو أسوأ فشل للسياسة الخارجية لبريطانيا منذ أزمة السويس عام 1956.

وترى الكاتبة إن هذا الاستدعاء لأزمة السويس المخزية يتجاهل عقودا من القرارات التي تثير الشكوك والريبة من قبل بريطانيا على صعيد السياسة الخارجية.

وأشارت تشارلوت -أستاذة التاريخ بجامعة ساوثمبتون البريطانية- إلى أن توم تغنداهت رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس العموم استخدم هذه العبارة خلال جلسة استماع هاجم فيها بضراوة وزير الخارجية دومينيك راب.

وذكرت استخدام هذه الإشارة مرارًا على مدى عقود منذ حدوث الأزمة بالطريقة نفسها التي استُخدمت بها مؤخرا، مضيفةً أن من يستخدمون هذه الإشارة ويرون في أزمة السويس “إذلالا وطنيا كارثيا” لديهم نقص في الوعي بشأن دور بريطانيا حول العالم.

وعدّدت الكاتبة المرات التي أشير فيها إلى أزمة السويس فيما يتعلق بالأزمات التي تواجه السياسة الخارجية لبريطانيا، مثل أزمة جزر الفوكلاند عام 1982 وغزو العراق عام 2003، بل وخلال أزمة البريكست مؤخرا.

وتابعت “بل وصل الأمر إلى إشارة عضو في حزب المحافظين لأزمة السويس، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما قرر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون فرض حظر عام لمكافحة وباء كورونا المستجد، مما دفع العضو للقول إن هذا القرار سيكون بمثابة (السويس) الخاصة بجونسون”.

وقدمت الكاتبة شرحا للأزمة التي حدثت بعد تآمر بريطانيا مع فرنسا وإسرائيل على غزو مصر ردا على قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس وكيف أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وقتها اعترضتا على الغزو مما تسبب في خسارة سياسية للدول الغازية أسفرت، من بين أمور أخرى، عن استقالة رئيس الوزراء البريطاني وقتها أنتوني إيدن.

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق أنتوني إيدن (غيتي)

وقالت الكاتبة إن أزمة السويس تمثل قلقا لمؤسسة الحكم في بريطانيا لأنها أصبحت مرادفا تاريخيا لانحدار بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، كما كانت نقطة التحول في تاريخ بريطانيا من إمبراطورية ضخمة مترامية الأطراف ودولة منتصرة على ألمانيا النازية إلى فقدان هذه الإمبراطورية وعدم العثور على دور جديد لها.

وذكرت الكاتبة أن أزمة السويس تثير هذا الشعور بالصدمة لأنها كانت اللحظة التي أجبرت فيها بريطانيا على قبول أنها لم تعد قوية وذات نفوذ كما كانت في السابق.

وأضافت أنه كان على بريطانيا الاختيار بين أن تكون إمبراطورية وبين علاقتها بالولايات المتحدة، وأن لندن حاولت الاتجاه إلى الخيار الأول، لكن جرى تنبيهها بالقوة إلى أن واشنطن تحتفظ بكل الأوراق.

وقالت الكاتبة إن إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور هددت بتدمير الاقتصاد البريطاني من خلال بيع واشنطن لسندات الجنيه الإسترليني التي تحتفظ بها.

ولكن الكاتبة ترى أن أكثر الجوانب المقلقة بشأن أزمة السويس بالنسبة لمؤسسة الحكم في بريطانيا هو فقدان الشعور بالشرف وبأن “بريطانيا كانت في يوم من الأيام أمة شريفة يقودها رجال شرفاء”.

وترى أن أزمة السويس هي التي زعزت هذا الشعور وهو أمر له وجاهته، ولكن يحدث ذلك بتجاهل التصرفات المخزية الأخرى لبريطانيا، على الأقل في الدول التي كانت تحكمها كإمبراطورية.

وأشارت كاتبة المقال إلى أن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب قال إن يرى في المقارنة بين أزمة السويس وبين ما حدث في أفغانستان مؤخرا محاولة لتعلم الدروس من الأزمة الحالية، وردت تشارلوت “يحب السياسيون الادعاء بأنهم يتعلمون دروسا من الماضي، ولكن التاريخ ليس مجرد مجموعة من الدروس والأمثلة التي يمكن تطبيقها على المستقبل، كما أن إخراج الأحداث من سياقها التاريخي يجعلها بلا معنى”.

وتختتم الكاتبة مقالها بالقول إن الإشارة إلى أزمة السويس لا يتعلق بتعلم دروس جديد، على العكس من ذلك فهو يتعلق بالإشارة إلى فكرة معينة بشأن معنى أن تكون بريطانيا وتأسيس تاريخ للسياسة الخارجية لبريطانيا ارتكبت فيه لندن خطأ واحدا فقط لم تتمكن أيّ كارثة أو عار آخر مهما كان حجمه أو حجمها أن تحل محله.

المصدر: الجزيرة مباشر + الغارديان البريطانية

إعلان