“في الطريق إلى جنين”.. شيرين أبو عاقلة “أيقونة الصحافة” التي اغتالها الاحتلال كما محمد الدرّة (فيديو)

كان آخر منشور لها على فيسبوك قبل أيام من استشهادها، مقطع مصور تخللته “أمطار تشبه الدموع” أرفقته بتعليق “في الطريق إلى جنين”، ولم تكن تعلم أنه بالفعل سيكون طريقها الأخير اليوم في هذه الحياة الذي سارت نحوه بخطى ثابتة كعادتها لكنها صارت شهيدة في الميدان خلال ثوانٍ معدودات.
هي ابنة فلسطين الزميلة الصحفية شيرين أبو عاقلة التي استشهدت صباح اليوم الأربعاء برصاص قنّاص إسرائيلي رغم ارتدائها سترة الصحفيين التي تميزهم عن غيرهم أثناء التغطيات، بينما أكد شهود عيان أن الاحتلال تعمّد إطلاق الرصاص عليهم حتى بعد إصابة شيرين وزميل آخر قبلها.
شيرين (51 عامًا) من أوائل المراسلين الميدانيين لقناة الجزيرة، وطيلة ربع قرن كانت في قلب الخطر لتغطية حروب وهجمات واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، لتٌغتال اليوم بشكل متعمد في مشهد أعاد للأذهان لحظة استشهاد الطفل محمد الدرة “أيقونة” الانتفاضة الثانية.
صحفية بدرجة مقاوِم
من يفنّد ويبحث في حسابات شيرين على منصات التواصل الاجتماعي، سيتأكد دون أدنى شك أنها فلسطينية الهوى والهوية وصاحبة تجربة إنسانية فريدة، فالقدس في قلبها وغزة أمام عينيها والضفة الصامدة بينهما.
كان همّها الدائم قضية وطنها العادلة وإيصال صوت شعبها إلى العالم الحر وفضح الاحتلال وكشف جرائمه، كانت صحفية بدرجة مقاوِم، ومغامِرة أبيّة إلى حد مواجهة الموت أكثر من مرة.
وفي منشور آخر لها قبل نحو أسبوعين، تساءلت شيرين “هل أنت فلسطيني من ابناء الضفة الغربية؟ صلِ أن يمد الله في عمرك كي تتمكن من رؤية القدس، فسلطات الاحتلال تسمح فقط للرجال الذين تزيد أعمارهم عن 50 بعبور الحواجز العسكرية.
وتابعت “أما إن كنت من قطاع غزة، فصلِ أن يُرفع الحصار عنه يومًا. هناك جيل من الفلسطينيين لم يدخل القدس ولم يرها في حياته”، وهو ما أكدته في لقاء إعلامي عفوي في نهاية رمضان الماضي عند باب العمود مرددة “أنا بنت القدس، وأحب أن أراها سعيدة”.
الجولة الأخيرة
تجوّلت كاميرا الجزيرة اليوم في مكتب شيرين برام الله، عقب إعلان استشهادها، ليكشف المشهد وتكدّس البشر عن مدى تفاني الراحلة في عملها وتواضعها هذا بالإضافة إلى كم شهادات التقدير التي حازت عليها طوال مسيرة عملها الميداني والتي تزّين مكتبتها الصغيرة.
يقول تقرير الجزيرة “كانت شيرين متواضعة بسيطة تُدَرّس أحيانًا في جامعة بيرزيت لكنها طالبة في الوقت ذاته، حصلت على دبلومة في الإعلام الجديد رغم خبرتها الكبيرة في العمل الميداني لأنها كانت تريد إتقان عملها الصحفي باستخدام هاتفها النقّال وتمكنّت بالفعل من إنتاج مواد وأفلام كاملة عبر هاتفها، كما بدأت تعلّم اللغة العبرية ما يعني أنها شخص مقبل على الحياة يريد أن يتعلم دائمًا رغم الخبرة الكبيرة”.
وكانت للزميلة الشهيدة شعبية واسعة في فلسطين، ولعل أكبر دليل على ذلك جنازتها الحاشدة حيث ودعتها جماهير غفيرة من الفلسطينيين والصحفيين، وجاب موكب الوداع شوارع ومخيم جنين رافعين جثمان شيرين على الأكتاف ملفوفًا بالعلم الفلسطيني وعليه سترة الصحافة التي استشهدت وهي ترتديها، فيما أعلنت محافظة جنين الحداد وأغلقت المحال التجارية أبوابها.
وكان آخر تقرير ميداني ظهرت فيه الزميلة شيرين، من بلدة سيلة الحارثية في جنين شمالي الضفة الغربية، قبل 4 أيام، حيث كانت تغطي عملية مداهمة وهدم قوات الاحتلال الإسرائيلي لمنزل الأسير عمر جرادات.
“الموت كان على مسافة قريبة”
وخلال حديث سابق لها مع الجزيرة في أكتوبر/تشرين الأول 2021- تقول شيرين بينما كانت تتذكر ما حدث عام 2002 حين تعرضت الضفة الغربية لاجتياح لم تعهده منذ احتلال عام 1967 “لن أنسى أبدًا حجم الدمار ولا الشعور بأن الموت كان أحيانًا على مسافة قريبة”.
وتابعت “لم نكن نرى بيوتنا، كنا نحمل الكاميرات ونتنقل عبر الحواجز العسكرية والطرق الوعرة، كنا نبيت في مستشفيات أو عند أناس لم نعرفهم، ورغم الخطر كنا نصر على مواصلة العمل”.
تقول شيرين “في اللحظات الصعبة تغلّبت على الخوف فقط، اخترت الصحافة كي أكون قريبة من الإنسان، ليس سهلًا ربما أن أغير الواقع لكنني على الأقل كنت قادرة على إيصال هذا الصوت إلى العالم”.
كانت شيرين دائمًا تشعر بأنها مستهدفة وأنها في مواجهة كل من جيش الاحتلال والمستوطنين المسلحين، وأن الاحتلال الإسرائيلي دائمًا ما يتهمها بتصوير مناطق أمنية.
ومن أكثر اللحظات التي أثرت فيها زيارة سجن عسقلان والاطلاع على أوضاع أسرى فلسطينيين بعضهم قضى أكثر من 20 سنة خلف القضبان، حيث نقلت عبر الجزيرة معاناتهم لذويهم وللعالم.
ابنة القدس
ولدت شيرين عام 1971 في مدينة القدس المحتلة، وهي حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من جامعة اليرموك بالمملكة الأردنية الهاشمية.
ويعود أصل الزميلة الراحلة شرين ابو عاقلة، إلى مدينة بيت لحم ولكنها ولدت وترعرت في القدس، وأنهت دراستها الثانوية في مدرسة راهبات الوردية في بيت حنينا.
درست في البداية الهندسة المعمارية في جامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن، ثم انتقلت إلى تخصص الصحافة المكتوبة، وحصلت على درجة البكالوريوس من جامعة اليرموك في الأردن.
عادت بعد التخرج إلى فلسطين وعملت في عدة مواقع مثل وكالة الأونروا، وإذاعة صوت فلسطين، وقناة عمان الفضائية، ثم مؤسسة مفتاح، وإذاعة مونت كارلو، وفي عام 1997 انتقلت للعمل مع قناة الجزيرة الفضائية.
واليوم ننطق بدلًا منها للمرّة الأخيرة وبالنيابة عنها “شيرين أبو عاقلة -مخيّم جنين -فلسطين -الجزيرة” لينتهي تقريرنا “بصوت” الشهيدة شيرين “الحاضر الغائب”.
