ابنة الشهيدة مي عفانة.. هل تدرك طفلة في السادسة لماذا احتُجز جثمان أمها 14 شهرا؟ (فيديو)

سلاف ابنة الشهيدة مي عفانة خلال تشييع جثمان والدتها في القدس (منصات فلسطينية)

قبل نحو شهرين، حينما سُئلت الطفلة الفلسطينية سلاف (6 أعوام) عن أكثر ما تفتقده بعد مرور سنة على استشهاد أمها مي عفانة، أجابت “جثمانها!”، في لقطة غزت المنصات العربية وأثارت الحديث عن قضية احتجاز إسرائيل لجثامين الشهداء.

وأمس الثلاثاء وبعد 14 شهرًا، أفرجت سلطات الاحتلال عن جثمان مي، وكانت طفلتها سلاف بين مئات تجمّعوا في بلدة أبو ديس شرق القدس، وخرجوا لاستقبال الشهيدة وتشييعها رافعين صورها وأعلام فلسطين.

وكما لفتت الطفلة الأنظار قبل شهرين، كانت هي بطلة الوداع الأخير أيضًا، واجتاحت نظرتها الأخيرة على الجثمان منصات التواصل. وظهرت سلاف وهي ترتدي قميصًا يحمل صورة أمها الشهيدة وفوقه زي عسكري أمام مسجد “صلاح الدين الأيوبي” في أبو ديس.

وتجمّع الصحفيون حول الطفلة ليسألوها عن والدتها وعلاقتهما التي انطفأت على أيدي الاحتلال منذ سنة وشهرين، فسردت -رغم صغر سنّها- تفاصيل لا تُنسى عن الحب والحضن الدافئ والتشارك في كل تفاصيل الحياة اليومية.

وفي 16 يونيو/حزيران 2021، استشهدت الأكاديمية مي عفانة (27 عامًا) برصاص الاحتلال عند حاجز حِزما العسكري شرقي القدس بزعم محاولتها دعس جنود وطعنهم، الأمر الذي نفاه والدها حينذاك جملة وتفصيلًا، مؤكدًا أن ابنته لديها مشاكل صحية كبيرة ولم تكن تمتلك القوة أو القدرة على تنفيذ أي هجوم.

ولم يكتفِ الجنود بقتل مي لكن سرعان ما احتجزوا جثمانها ضمن إجراء أقرته محكمة الاحتلال عام 2019، لاستخدام احتجاز الجثامين ورقة مساومة في أي مفاوضات مستقبلًا.

ماذا يعني أن تفقد طفلة في السادسة أمها؟

ولكن، هل فعلًا تدرك طفلة في السادسة معنى أن تودّع اليوم أمها التي استشهدت قبل 14 شهرًا؟ سؤال طرحته وكالة الأنباء الفلسطينية مستنكرة احتجاز جثامين الشهداء ومن بينهم “مي”.

فعلى الأرجح -وفق الوكالة الفلسطينية- قد تظن سلاف أن جسد أمها الذي كان في طريقه إلى البلدة أمس بعد أن أفرج عنه الاحتلال، ما زالت تدب فيه الروح، فكيف يتسلل إلى مداركها الغضة ما يصعب على البالغين استيعابه بأن هناك من يحتجز أجسادًا بلا حياة؟

والأقرب إلى ذهن طفلة بعمرها تصديقُ فكرة اعتقال الأحياء، فما الذي يمنع “الغائبة” أمها من أن تنام في مثواها الأخير كغيرها من الموتى؟ وبعد وصول الجثمان كانت العَبَرات جليّة على كل الوجوه تقريبًا، ومن بينهم سلاف التي لم تقوَ على التحرك وحيدة، وكأن برودة جسد والدتها سرت في جسدها بنظرة وقبلة الوداع، حسب وصف الوكالة الفلسطينية.

رافقت سلاف موكب التشييع وصولًا إلى المدفن، وقفت بجوار القبر عند مغيب الشمس وهي تراقب جسد أمها الذي سيغيب عنها إلى الأبد، التف حولها كثيرون وأحاطوها بمزيد من العطف، يمازحونها تارة ويمسحون على رأسها تارة أخرى، فتلتفت إليهم وهي تراقب الحفرة التي تمتلئ شيئًا فشيئًا.

 

سلاف التي حملت الإكليل وانحنت أمام قبر أمها، التقت هناك أيضًا بوالدها حسن جفال الذي أحاطت به وسائل الإعلام وكان يجيب عن سؤال لأحد الصحفيين قائلًا “سأترك للناس أن يتخيلوا، ماذا يعني أن تفقد طفلة في السادسة أمها؟” وهو السؤال الذي لخص حال أطفال كثُر من أبناء الشهداء.

سياسة احتجاز الجثامين

وبحسب تقرير رسمي لوزارة الإعلام الفلسطينية في أبريل/نيسان الماضي، تحتجز سلطات الاحتلال جثامين 105 شهداء في الثلاجات بجانب 256 شهيدًا في مقابر الأرقام، من بينهم 9 أطفال و3 شهيدات و8 أسرى أمضوا مددًا مختلفة في سجون الاحتلال.

ويرفض الاحتلال إعطاء معلومات عن أماكن احتجاز أغلب الجثامين، بل والأخطر من ذلك ما يُتداول عن استغلال إسرائيل لتلك الجثامين وسرقة أعضائها واستخدامها في معالجة مرضى إسرائيليين، وفق التقرير.

ويتخذ الاحتلال الاحتجاز وسيلة لابتزاز أهالي الشهداء الذين يعيشون في قلق وخوف ولهفة أمل اللقاء الأخير. وفي عام 2008، أوقف الاحتلال هذه السياسة ولكنه عاد إلى ممارستها كآلية ضبط وعقاب للفلسطينيين، بقرار من الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول 2015.

وفي سبتمبر/أيلول 2019، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارًا يجيز للقائد العسكري احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين ودفنهم مؤقتًا لغرض استخدامهم أوراقًا تفاوضية مستقبلًا.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2021، أقر وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس سياسة عدم تسليم جثامين منفذي العمليات الفدائية بغض النظر عن نتائج العملية أو عن الانتماء الفصائلي للشهيد.

ويُعد استمرار احتجاز إسرائيل لجثامين الشهداء وعدم الكشف عن أماكن المفقودين مخالفة واضحة لمعاهدة لاهاي لسنة 1907 التي تتعلق بقوانين الحروب وأعرافها، ومخالفة أيضًا لاتفاقية جنيف الأولى (في البندين 15 و17) التي تُلزم الدولة المحتلة بتسليم جثامين الشهداء لذويهم ودفنهم مع المحافظة على كرامتهم حسب معتقداتهم الدينية قدر الإمكان.

المصدر: الجزيرة مباشر + مواقع التواصل + وكالة الأنباء الفلسطينية

إعلان