البداية من أسوان.. غول التغير المناخي يفاقم معاناة المصريين مع الكهرباء

قد يدفع البلاد نحو ما يسمى “دائرة النار”

الأشجار وسيلة أساسية ومنخفضة التكلفة لمعالجة تلوث الهواء وتبريد الشوارع في مواجهة تقلبات المناخ (الجزيرة مباشر)

دخل التغير المناخي بعنف على خط أزمة الكهرباء وفاقم معاناة مدينة أسوان والمناطق المحيطة بها في أقصى جنوب مصر بعد أن سجلت درجات الحرارة معدلات غير مسبوقة لتصبح من أعلى الدرجات على مستوى العالم.

تزايد ساعات قطع التيار حوّل حياة الناس هناك إلى قطعة من العذاب كما يقول أحمد الضوي السوداني العائد للتو من هناك إلى القاهرة. ولا يكتفي الضوي بذلك بل ينصح، في حديثه للجزيرة مباشر، النازحين السودانيين بالبحث عن دروب ومسالك أخرى لدخول مصر غير ما يسميه “بوابة جهنم” في إشارة إلى الارتفاع الشديد لدرجات الحرارة مع انقطاع التيار الكهربي ساعات كثيرة.

وتحدث الضوي عن حالات وفاة في الصحراء بين اللاجئين بسبب الحر الشديد. واقتربت درجات الحرارة من 51 درجة مئوية لتحتل أسوان المركز الأول قبل منطقة الأحساء السعودية التي سجلت 48.2 درجة مئوية؛ فتوجه ضربة موجعة لمحطات الكهرباء التي تعاني بشدة مع ارتفاع درجات الحرارة ونقص إمدادات الغاز الطبيعي.

درجات الحرارة العالية وأسوان في المقدمة

شلل محطات ضخ المياه

وبنبرة يملؤها اليأس يتحدث إبراهيم الرشيدي الأسواني المقيم في مدينة أكتوبر بمحافظة الجيزة، عن معاناة أسرته التي لا تزال في أسوان موضحًا أن الأمر لم يعد يقتصر على ساعتين من انقطاع التيار، وإنما تكرر ذلك على مدار اليوم، لافتا إلى أن بعض المناطق يتم استثناؤها مثل منازل المسؤولين، لكنه يقول إن الأزمة امتدت إلى بعض المناطق السياحية.

ويشير الرشيدي إلى أن أسرته التي تعيش في منطقة كركر النوبية بأسوان تفاقمت معاناتها أكثر فأكثر بعد أن تسبب انقطاع الكهرباء في شلل محطات ضخّ المياه.

ويرى سعيد العسال -وهو مهندس كهرباء- أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة إذا استمر على هذا النحو فسيخرج محطات الكهرباء من الخدمة تباعًا.

ويتوقع العسال في حديثه للجزيرة مباشر، مزيدًا من الأضرار لافتا إلى أن “الحكومة على ما يبدو لم تعمل حسابا للتغيرات المناخية”. ويوضح أنه كلما ارتفعت درجات الحرارة زاد استهلاك المعدات المولدة للكهرباء للوقود.

وفي مؤشر على خطورة الوضع طالب نواب بالبرلمان باستثناء محافظات الصعيد من تخفيف أحمال الكهرباء.

واعتبرت النائبة زينب السلايمي في طلب للحكومة، أن الجنوب يمر بفترة مناخية حرجة، محذرة من أضرار صحية ومادية كبيرة. كما تفاعلت وسائل إعلام محلية مع مطالبات بوقف قطع الكهرباء.

مذبحة الأشجار

ويتحدث الناشط والباحث بمعهد دراسات البيئة بجامعة عين شمس صالح إبراهيم، بأسى عن “مذابح الأشجار” موضحًا أن أسوان شهدت مؤخرًا عمليات قطع جائرة تزامنت مع موسم تزاوج الطيور بمنطقة الخزان. وذهب الباحث إلى أن التشجير يسهم في خفض الحرارة بشكل كبير في موسم الصيف بنحو سبع درجات.

القطع الجائر للأشجار ساهم في رفع درجات الحرارة

وفي هذا السياق أيضا يدق مركز “حلول للدراسات البديلة” التابع للجامعة الأمريكية في القاهرة، ناقوس الخطر ويربط الارتفاع غير المسبوق بدرجات الحرارة بقطع الأشجار في أسوان، موضحا أن حصة المنطقة من المساحات الخضراء تقلصت.

كما يلفت المركز إلى تقلّص نصيب الفرد من المساحة الخضراء بالقاهرة من 0.87 متر مربع إلى 0.74 متر مربع. وشدد المركز البحثي على أن الأشجار وسيلة أساسية ومنخفضة التكلفة لمعالجة تلوث الهواء وتبريد الشوارع في مواجهة تقلبات المناخ.

وحسب المركز تستهدف رؤية مصر 2030 أن يصل نصيب الفرد من المساحات الخضراء إلى 3 أمتار مربعة فقط بحلول 2030، أي أقل من توصية الصحة العالمية بأن يصل نصيب الفرد إلى 9 أمتار مربعة.

وعلى صفحته الرسمية في فيسبوك ينضم الروائي إبراهيم عبد المجيد، إلى دعوات تطالب بوقف مذابح الأشجار، ويقول إنه منذ منتصف السبعينيات ردمت الحكومة بحيرات مثل مريوط، ثم كان الهجوم على شواطئ البحر والنيل، ثم قطع الأشجار لبيع أخشابها.

وتحت شعار “أشجارك يا مصر” انطلقت عدة حملات لنشطاء تطالب الحكومة بوضع حد للتصحّر وتدعو إلى مشروع قومي لتشجير المدن وزراعة أحزمة شجرية كثيفة على التخوم الصحراوية.

دائرة النار

يأتي ذلك في حين تتحدث تقديرات دولية عن ارتفاع مرتقب لدرجات الحرارة بوتيرة أسرع في مصر لتتجاوز ثلاث أو أربع درجات سنويا، وهو ما قد يدفع البلاد نحو ما يسمى “دائرة النار”.

وتضع تقديرات الأمم المتحدة مصر ضمن أشدّ الدول تأثّرًا بتغير المناخ، جراء التلوث وتراجع المساحات الخضراء. ونتيجة لذلك احتلت مصر الترتيب التاسع عالميًّا في قائمة الدول الأكثر تلوّثًا في الهواء، وجاءت القاهرة في المركز الأول لتكون أكثر مدن مصر تلوّثًا.

ويتوالى تأثير التغيرات المناخية ليهدد القمح وهو الغذاء الأهم للمصريين كما يقول الخبير الزراعي مصطفى هيبة، للجزيرة مباشر، موضحًا أن الحرارة الشديدة تصيب المحصول بالجفاف قبل تمام النضج.

وبينما تبدو مشكلة التصحّر إحدى أخطر التحديات، تصنف مصر من أكثر الدول معاناة من تلك المشكلة “وذلك وفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة التي تؤكد أن هناك 3.5 فدادين تتعرض للتصحر كل ساعة”.

وحسب دراسة في هذا الصدد للباحث بمركز الأهرام للدراسات، صابر عثمان، فإن ارتفاع درجة حرارة مياه البحر سيؤدي إلى تغير نوعية المياه بالبحيرات الشمالية؛ مما يؤثر في الثروة السمكية.

وترفض الحكومة اتهامات بالتسبب في خلل بيئي، وتنفي القطع الجائر للأشجار، وتتحدث عن مشروع ضخم لإنقاذ القاهرة بإقامة إحدى أكبر الحدائق العامة تحت اسم “تلال الفسطاط” على مساحة 500 فدان وتضم نحو مليون شجرة لتكون رئة خضراء مهمة لقلب العاصمة الذي يعاني من تراجع جودة الهواء وزيادة الاحترار.

وبينما يرصد نشطاء المناخ عمليات متجددة لقطع الأشجار يقول تقرير حديث صادر عن مجلس الوزراء المصري إن القاهرة استحوذت خلال العام الماضي على النصيب الأكبر من الأشجار المزروعة بنحو 1.9 مليون شجرة.

كما تقول الحكومة إن السيناريوهات التي تتحدث عن غرق الإسكندرية وتصحر الدلتا “ليست مفاجئة” مشيرة إلى أنها أعدّت خططا لذلك منذ سنوات.

المصدر : الجزيرة مباشر