رغم تشجيع مواطنيها على زيادة الإنجاب.. كيف تواجه تركيا شبح العجز السكاني؟

تراجع الإنجاب يهدد طموحات البلاد

أردوغان يكرر دعوته للحفاظ على العائلات وينتقد منع الحمل (الأناضول)

أظهرت آخر الإحصائيات أن عدد السكان في تركيا بلغ 85 مليونًا و372 ألفًا و377 نسمة. وبالمقارنة مع العام السابق، فقد ارتفع عدد سكان تركيا بنسبة 1.1 فقط لكل 1000.

وهذا هو المعدل الأدنى في تاريخ الجمهورية الممتد على مدار 100 عام. حيث زاد عدد سكان تركيا بنحو مليون نسمة كل عام في السنوات الماضية، إلا أنه زاد بمقدار 92 ألفًا و824 نسمة فقط في العام الماضي.

ويتجه متوسط عدد الولادات لكل امرأة في تركيا نحو الانخفاض منذ فترة، وكان آخرها الإعلان عن 1.51 وهو المعدل الأدنى بين الدول الإسلامية.

تراجع الإنجاب يهدد طموحات البلاد

وتعقيبًا على هذه الإحصاءات اعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن التراجع في معدلات النمو السكاني يمثل تهديدا لطموحات بلاده الاقتصادية، وقال إن أرقام النمو تمثل تهديدا وجوديا لتركيا وكارثة كبرى.

وفي مناسبات سابقة ناشد أردوغان شعبه زيادة معدلات الإنجاب، إذ قال خلال عقد قران لاعب الكرة الشهير مسعود أوزال “إذا أنجبت طفلا وتركته وحيدا فسيكون غريبا في بيته، وإذا أنجبت طفلين فسيكونان متنافسين، وإذا أنجبت 3 فستحقق التوازن في بيتك، وإذا أنجبت الرابع فسيجلبون لك البركة، والباقي نقول له الله كريم”.

أحزاب سياسية تفاعلت مع الإحصاءات، إذ قال رئيس حزب الوحدة الكبير مصطفى دستجي “أصبح إنجاب 4 أطفال على الأقل إلزاميًّا للأسف”.

الاتجاه التنازلي للسكان يشكل تحديا كبيرا لاستراتيجية أردوغان الطويلة المدى للنمو الاقتصادي (غيتي – أرشيفية)

الجزيرة مباشر توجهت إلى الدكتور محمد علي إريورت أستاذ الدراسات السكانية في جامعة حاجتبة في أنقرة، ووجهت إليه بعض الأسئلة:

لماذا يستمر معدل النمو السكاني في تركيا في الانخفاض رغم الحوافز الحكومية؟

لقد انخفضت معدلات المواليد في جميع البلدان المتقدمة، واليوم يبلغ المتوسط في دول الاتحاد الأوروبي 1.46 طفل، والمتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 1.58 طفل، والولايات المتحدة 1.66 طفل.

وبالتوازي مع تطور المجتمعات وتحديثها، تنتقل جميع المجتمعات تدريجيًّا من مرحلة تكون فيها معدلات المواليد والوفيات مرتفعة إلى مرحلة تكون فيها معدلات المواليد والوفيات منخفضة.

ونتيجة لعمليات الاقتصاد الكلي مثل التنمية والتصنيع والتحضر وانتشار التعليم الإلزامي، تنخفض معدلات المواليد في المجتمعات.

وبسبب هذه التطورات حدثت تغيرات كبيرة في قيم الأفراد واتجاهاتهم. يتم استبدال الهياكل والأعراف العائلية التقليدية بالفردية والتنمية الشخصية والحرية. أصبح الأفراد أكثر مرونة وانتقائية عندما يتعلق الأمر بالزواج وإنجاب الأطفال. ويمكننا القول إن تطورات مماثلة تحدث في تركيا.

إريورت قال إن العوامل الاقتصادية مثل ارتفاع أسعار المساكن والإيجارات، وزيادة تكاليف المعيشة، وزيادة تكاليف رعاية الأطفال والتعليم، تسببت أيضا في تأجيل الزواج وانخفاض الولادات.

وأشار إلى أنه تم تنفيذ السياسات المعززة للخصوبة والمؤيدة للإنجاب على المستوى الخطابي في تركيا منذ عام 2007، لكن لم يتم تنفيذ سوى حوافز محدودة للغاية في الممارسة العملية، ولا يبدو أن هذه الحوافز قد غيرت قرارات الناس بشأن الزواج وإنجاب الأطفال.

هل هناك توقعات بتزايد عدد السكان خلال الفترة المقبلة؟

أعتقد أن معدلات المواليد قد تستمر في الانخفاض طالما استمرت الاتجاهات الحالية، وتستعد الحكومة حاليًّا لتنفيذ حزمة حوافز وممارسات جديدة لزيادة الولادات، وهناك عدد كبير من السكان في تركيا لديهم عدد أطفال أقل مما يريدون، لكن إذا تم تنفيذ السياسات التي تلبي احتياجات هؤلاء السكان، فمن الممكن وقف هذا الاتجاه المستمر في الانخفاض.

تركيا تستقبل هجرة مكثفة من الدول المجاورة بسبب روابطها التاريخية والثقافية (غيتي – أرشيفية)

كيف يؤثر التراجع السكاني في خطط التنمية بتركيا؟

بالنسبة لتركيا، لا تزال “نافذة الفرصة الديموغرافية” التي انفتحت في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مفتوحة، ويبدو أن نافذة الفرصة هذه ستستمر حتى أواخر ثلاثينيات القرن الحالي. ولذلك، لن تكون هناك مشاكل سكانية في تركيا من حيث النمو الاقتصادي حتى النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين.

لكن إذا استمرت معدلات المواليد المنخفضة، فقد تكون هناك مشاكل في وقت لاحق. وفي هذه الحالة، سيكون من الضروري أن تتحول تركيا إلى قطاعات ذات قيمة مضافة عالية وكثيفة التكنولوجيا.

ما هي السبل التي يمكن للدولة التركية من خلالها التغلب على هذه الظاهرة؟

في الواقع، كما ذكرت من قبل، هناك مجموعة سكانية كبيرة في تركيا لديها عدد أطفال أقل مما يريدون.

وهذا يعني أن هناك بعض العوائق التي تحول دون حصول الأشخاص على العدد الذي يريدونه من الأطفال، وعليه يجب إزالة هذه العقبات.

إن أهم سياسة من شأنها تشجيع الإنجاب هي أن تتولى الدولة مسؤولية رعاية الطفل وفق مبدأ الدولة الاجتماعية، والتوسع في الحضانات العامة لأطفال ما قبل المدرسة، وبدلات رعاية الطفل المقدمة لخدمات رعاية الطفل المؤسسية لتلبية احتياجات الأطفال.

كما أن سهولة الحصول على السكن ستشجع على الزواج وإنجاب الأطفال. ومن المهم جدًّا أن يتم دعم سياسات الزيادة السكانية من خلال السياسات الاجتماعية والاقتصادية.

هل يمكن للهجرة من الدول المجاورة إلى تركيا أن توفر حلًّا للمشكلة السكانية على المدى الطويل؟

تستقبل تركيا هجرة مكثفة من الدول المجاورة بسبب روابطها التاريخية والثقافية. ويوجد حاليًّا أكثر من 5 ملايين مهاجر مسجل في تركيا، وسيكون هذا العدد أعلى بإضافة المهاجرين غير المسجلين.

الغالبية العظمى منهم هم من طالبي اللجوء الذين يسعون للحصول على الحماية الدولية في تركيا.

ومن ناحية أخرى، فإن عدد المهاجرين في تركيا الذين يحملون تصاريح عمل مستمر في التزايد.

لن يكون لدى تركيا حاجة ملحة للسكان المهاجرين في المدى القريب، ولكن سياسة تشجيع هجرة العمالة الماهرة، التي يجري تنفيذها بالفعل، يمكن تنفيذها بقوة أكبر على المدى الطويل.

المصدر : الجزيرة مباشر