خبيران للجزيرة مباشر: تصريف سد النهضة وراء فيضانات السودان الأخيرة

أكد خبيران في شؤون المياه وجيولوجيا الموارد، أن الفيضانات التي اجتاحت السودان خلال الأيام الماضية، يرجع سببها إلى تصريف كميات ضخمة من المياه المخزنة في سد النهضة الإثيوبي، وليس هطل الأمطار الموسمية، مما يعزز المخاوف المصرية من تأثير السد في دولتي المصب.
وقال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بكلية الدراسات الإفريقية في جامعة القاهرة، إن مستوى النيل الأزرق ارتفع بشكل غير معتاد في هذا التوقيت من العام، رغم أن موسم الأمطار في نهايته، إذ يمتد من يوليو/تموز إلى سبتمبر/أيلول، وتكون كمية الهطل في هذه الفترة محدودة نسبيا.
وأوضح شراقي للجزيرة مباشر، أن ما جرى هو تصريف إجباري لكميات كبيرة من المياه من سد النهضة بعد امتلاء بحيرته ووصول المياه إلى مستوى الفيضان.
وتابع أستاذ الموارد المائية، أنه بسبب تعطل التوربينات منذ افتتاح السد، وارتفاع منسوب المياه بفعل الأمطار المستمرة، اضطرت إثيوبيا إلى فتح بوابات المفيض الأربع، التي يمكنها تصريف ما يصل إلى 800 مليون متر مكعب يوميا.
مصدر الفيضانات
وأشار شراقي إلى أن كمية الأمطار الطبيعية التي تدخل بحيرة السد خلال هذه الفترة، تُقدّر بنحو 300 مليون متر مكعب يوميا، لكن ما صُرّف باتجاه السودان خلال الأسبوع الماضي بلغ نحو 750 مليون متر مكعب يوميا، أي أن قرابة 450 مليون متر مكعب وصلت من مخزون البحيرة يوميا إلى الأراضي السودانية.
وأضاف أن السودان واجه تدفقًا غير مسبوق في نهاية سبتمبر، وهو توقيت لا يشهد عادة فيضانات بهذا الحجم، مما أدى إلى ارتفاع منسوب النيل الأزرق وحدوث سيول جارفة.
وذكّر أستاذ الجيولوجيا، بأن أكبر سد سوداني على هذا المجرى، وهو سد الروصيرص، لا تتجاوز سعته التخزينية 7 مليارات متر مكعب، وبالتالي فإن تدفق ثلاثة أرباع مليار متر مكعب يوميا يشكل ضغطًا هائلًا عليه ويعرض سلامته للخطر في حال استمرار الأمر.
من جانبه، أكد الدكتور محمد يوسف، أستاذ جيولوجيا المياه والاستشعار عن بعد بمركز بحوث الصحراء، أن الفيضانات الحالية ناجمة بدرجة كبيرة عن تدفق مياه سد النهضة، في ظل غياب التنسيق الفني بين السودان وإثيوبيا بخصوص تشغيل السد وإدارة مناسيب النهر.
وأوضح يوسف للجزيرة مباشر أن إطلاق المياه دون إخطار مسبق يعزز الأخطار على التجمعات السكانية والزراعية القريبة من مجرى النيل الأزرق، وهو ما حدث في أوقات سابقة أيضًا، محذرًا من تكرار السيناريو في مواسم مقبلة إذا بقي الوضع على حاله.
وأشار إلى أن دول المصب لا تزال تفتقر إلى آلية إنذار مبكر أو اتفاقية ملزمة لتبادل بيانات التشغيل.

تحذيرات من تدهور الوضع
وحذر شراقي من أنه في حال استمرار فتح بوابات السد على الوتيرة نفسها لعدة أيام إضافية، فإن سد الروصيرص نفسه قد يكون في دائرة الخطر.
وأشار إلى أن السودان تكبّد خسائر كبيرة شملت تدمير منازل ومحاصيل، وأن الأراضي التي غمرتها المياه قد لا تصلح سريعًا للزراعة، خاصة أن التوقيت لا يتزامن مع الفيضان الموسمي المعتاد في أغسطس/آب.
من جهته، وصف محمد يوسف ما شهده السودان في سبتمبر/أيلول بأنه موجة فيضانات غير مألوفة من حيث الشدة والتوقيت، مما دفع السلطات السودانية لإطلاق “الإنذار الأحمر” في 6 ولايات ممتدة على حوضي النيلين الأزرق والأبيض، شملت العاصمة الخرطوم، والجزيرة، والنيل الأزرق، ونهر النيل، وسنار، والنيل الأبيض.
وذكر أن بعض المناطق شهدت انهيار طرق وجسور وجرف آلاف الأفدنة الزراعية.
وأثار المشهد نقاشًا إقليميًّا محتدمًا حول العلاقة بين طريقة تشغيل سد النهضة والفيضانات غير المتوقعة، وسط مخاوف من تكرار أو تفاقم الأزمة خلال موسم فيضان النيل المقبل، مما يستدعي استعدادات أكبر في السودان لتفادي كارثة محتملة، خاصة مع محدودية إمكانات الطوارئ.

تأثير محتمل على مصر
وعن تداعيات هذه التطورات على مصر، قال شراقي إن السد العالي يمثل عامل أمان رئيسيًّا يمنع التأثر المباشر بزيادة منسوب النيل، إذ تبلغ سعته التخزينية نحو 162 مليار متر مكعب.
وأضاف أن السودان كان قد فتح بوابات سدوده مطلع سبتمبر، قبل أن تقدم إثيوبيا على خطوة تصريف المياه لاحقًا، مما حدّ من انتقال موجة الفيضان إلى الأراضي المصرية، رغم بقاء المخاوف قائمة.
وشدد على أن طريقة إدارة إثيوبيا للسد بصورة أحادية ومن دون تشاور مع دولتي المصب تسببت في الأضرار الحالية، في حين لا تزال توربينات السد متوقفة، مما يجعل منه مشروعًا بلا فائدة تشغيلية حتى الآن، ومع ذلك يُستخدم بطريقة قد تضر بالمنطقة وتزيد التوتر.
ورأى أن ما حدث يعزز حجج مصر والسودان بشأن ضرورة اتفاق ملزم لتشغيل السد وتبادل البيانات، وأن تصرّف أديس أبابا بمعزل عن الجانبين ليس في صالح أي طرف، ويمكن للدولتين الاستناد إلى هذه الواقعة في المحافل الدولية لإثبات صحة مخاوفهما والمطالبة بضمانات واضحة.
واعتبرشراقي أن السد العالي يظل “الضامن الأول للأمن المائي المصري” والقادر على امتصاص أي كميات زائدة يمكن أن تصل عبر النيل، مما يمنح مصر هامش أمان استراتيجي لا يتوفر للسودان في ظل ضعف بنيته التخزينية.
غياب اتفاق ملزم
اتفق الدكتور محمد يوسف مع هذا الطرح، مؤكّدًا أن الفيضانات الأخيرة أعادت إلى الواجهة المخاوف المصرية القديمة، ليس فقط من الفيضانات، بل من غياب إطار قانوني ملزم ينظم تشغيل السد ويضمن تبادل البيانات بصورة شفافة.
وأضاف أن مصر حذرت مرارًا من أن إدارة السد بشكل منفرد قد تتسبب في أزمات متناقضة، من الجفاف إلى الفيضانات المفاجئة، وأن ما يشهده السودان يعد نموذجًا ملموسًا لهذه المخاوف.
كما أشار إلى أن التحكم في مياه سد بهذا الحجم دون تنسيق إقليمي يهدد الاستقرار المائي لدولتي المصب، ويجعل نظام نهر النيل أكثر تقلبًا، مما يستلزم اتفاقًا شاملًا وعاجلًا يضمن الحقوق ويمنع كوارث بيئية وإنسانية مستقبلية، ويعيد الثقة بين الأطراف.