أم من غزة فقدت ابنتها تروي ألما لا تستطيع التقارير وصفه (فيديو)

أكدت الأخصائية النفسية الفلسطينية سيرين العبسي أن الآثار النفسية للحرب على أطفال غزة تتجاوز الأطر التقليدية المعروفة لاضطراب ما بعد الصدمة، ورأت أن ما يواجهه الأطفال أكبر من قدرة أي بالغ على تحمله، مما يجعل احتياجاتهم مضاعفة على المستويات النفسية والمادية والاجتماعية والاحتوائية.

ووصفت سيرين في حديثها للجزيرة مباشر صعوبة الوضع الذي يعيشه المدنيون، موضحة أن البالغين أنفسهم يجدون صعوبة في التعامل مع لحظات القصف، وأن الخوف لديهم يكون غير طبيعي، فما بالك بالأطفال؟ وتستذكر كيف كانت تشعر بأنها شخصيًّا تحتاج إلى الاحتضان في اللحظات التي كانت تحتضن فيها ابنتها هربًا من أصوات الانفجارات.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تجربة شخصية مريرة

وتروي سيرين العبسي تجربتها الشخصية في الحرب، حيث تزوجت عام 2020 وأنجبت ابنتها علياء عام 2021، التي كانت مصدر كل مشاعر الأمومة بالنسبة لها، وكانت تعاني من مشكلة في النظر وتلتزم بارتداء نظارة. ومع بدء الحرب ومع بلوغ علياء عامين، اضطرت الأسرة إلى مغادرة شمال غزة نحو الجنوب خوفًا على الطفلة من أصوات القصف.

وتقول إن تنقلهم بين المناطق كان بحثًا عما سمّته “كذبة الأمان”، حيث كانوا يتركون كل منطقة بعد فترة بسبب التهديد بالقصف.

وفي إحدى المراحل، وبعد تنقل دام شهورًا، وصلت الأسرة إلى حيّ السلام في رفح قرب المعبر، وهو مكان مكشوف لا تتوافر فيه مقومات الحياة سوى غرفة واحدة، وكان الأطفال يقضون معظم وقتهم في العراء بحثًا عن أي مظهر من مظاهر الطفولة. وبعد نحو خمسة أشهر من الحرب، وفي شهر مارس 2024، طلبت علياء النوم في وقت مبكر على غير عادتها.

وتذكر سيرين أنها نامت وهي تحتضن يد طفلتها، قبل أن تستيقظ على بكاء زوجها لتكتشف أنها تعرضت للقصف، وأنها غير قادرة على تحريك جسدها. وحين لمحت طفلتها بين يدي والدها، أدركت فورًا أنها استشهدت.

وتصف اللحظة بأنها كانت مؤلمة إلى حد أنها لم تستطع البكاء، وتم نقلها إلى المستشفى حيث خضعت لعمليات معقدة شملت استئصال الطحال وخياطة الأمعاء ومعالجة جروح في القولون والحجاب الحاجز، إضافة إلى كسر في الجمجمة ونزيف في العين وفقدان كتلة عضلية.

وتوضح أن الأطباء نصحوا عائلتها بإخفاء خبر استشهاد طفلتها عنها خوفًا من تأثير الصدمة، لكن بعد أربعة أيام شعرت يقينًا بأن علياء قد رحلت، فأبلغت عائلتها بذلك. وتعتبر أن جملة زوجها بأن علياء “ظلت نائمة” كانت الأصعب في حياتها، خاصة أنها كانت تتحمل آلامًا جسدية حادة دون توفر المسكنات، إلى جانب الألم النفسي الناتج عن فقدان ابنتها.

تجاوز محنة الفقد

وأشارت سيرين إلى أن الرضا والإيمان شكّلا نقطة تحول في قدرتها على احتمال الصدمة. إذ استعادت ما تربّت عليه من والدتها حول معنى الرضا، معتبرة أنه كان مصدر قوة لها في مواجهة الابتلاء. وبعد نحو أربعين يومًا حصلت على تحويل طبي للخروج من غزة إلى مصر، ثم وصلت إلى وجهتها الحالية حيث تلقت العلاج والأمان في قطر. ورغم ذلك، تقول إن ألم الفقد والابتعاد عن الوطن والعائلة ظل حاضرًا، لكن الرضا والأخذ بالأسباب ساعداها على الاستمرار.

وتوضح أنها، وبعد وصولها بفترة قصيرة، رفضت الاستسلام، وقررت التطوع في مركز علاج نفسي لمصابي الحرب، مستفيدة من خبرتها السابقة في التعامل مع ضحايا الحروب. وتقول إنها أمضت فترة طويلة تستمع لآلام الآخرين دون أن تقدم تدخلًا مباشرًا، وكان ذلك بحد ذاته علاجًا لها عندما أدركت أنها في وضع أفضل من كثيرين.

وحول احتفاظها بفيديوهات طفلتها، تعتبر أن مشاهدتها أصبحت متنفسًا لها، وأن ذكر علياء هو مسؤوليتها حتى لا تُنسى. وترى أن روح طفلتها تمنحها الدافع لتكون قوية، وأنها لو كانت هي الشهيدة بدلًا من علياء لتمنت لابنتها القوة وعدم الاستسلام. وتشدد على أن عملها أخصائية نفسية لا يمنع تعرضها لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، ولذلك لجأت بنفسها إلى مختص نفسي آخر لتجاوز رواسب الصدمة والعودة أقوى، مؤكدة أن ذلك كله لم ينسها ابنتها لكنه خفف ألمها.

وختمت سيرين بالقول إن الألم الذي يعيشه الفلسطينيون لا يمكن لأي نظرية نفسية أن تعالجه كليًّا، فالفقد جرح لا يندمل، غير أنها ترى في الإيمان أساسًا للصبر وفي التمسك بالرضا قوةً للثبات، معتبرة أن الدنيا ليست دار قرار، وأن الشهداء سبقوا إلى الجنة، بينما يبقى من على قيد الحياة في رحلة ابتلاءات متواصلة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان