من “الذرّة لأجل السلام” إلى “مطرقة منتصف الليل”.. 80 عاما من العلاقات الإيرانية الأمريكية

على مدى نحو 8 عقود، تأرجحت علاقة طهران وواشنطن بين فصول من الصداقة والعداء، والهدوء والتصعيد، والعقوبات والمفاوضات، بدأت بتدخل دبلوماسي أمريكي أنهى الاحتلال الأجنبي، ووصلت حتى الهجمات على المنشآت النووية والقواعد العسكرية.
شمال إيران.. أول أزمات الحرب الباردة
تدخلت الولايات المتحدة دبلوماسيا في إيران خلال الحرب العالمية الثانية، لم تُعد حينها تهديدا، بل كانت ضامنا لرحيل القوات السوفييتية والبريطانية بعد انتهاء الحرب من الأراضي الإيرانية المحتلة من قبلهما، وذلك بموجب اتفاقية ثلاثية مع أمريكا عام 1942.
لكن الاتحاد السوفييتي رفض الانسحاب من شمال إيران، فمارست واشنطن ضغوطا سياسية على موسكو، ما أدى إلى خروج السوفييت عام 1946، واختارت أمريكا إيران حليفا لها في المنطقة بسبب حدودها مع الاتحاد السوفييتي، ما وضعها على تماس مباشر مع معسكر أعداء واشنطن.

محمد مصدق.. أول محطات الصدام
شكّل رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق تهديدا للولايات المتحدة بعدما وشت بريطانيا عندها بميله نحو الشيوعية، انتقاما من مساعيه لتأميم نفط بلاده، وعندها تدخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، ونفّذت مع المخابرات البريطانية عملية عُرفت باسم عملية “أجاكس”، أطاحت بمصدق في انقلاب عنيف عام 1953، وأعادت الشاه محمد رضا بهلوي الذي رعته الولايات المتحدة طيلة مدة حكمه، ما أثار استياء الإيرانيين من التدخل الأجنبي، وأجج المشاعر المعادية لأمريكا في البلاد لعقود مقبلة.
تعاون نووي حتى الثورة الإسلامية
وقّعت الولايات المتحدة عام 1957 اتفاقية تعاون نووي مدني مع إيران تحت مظلة برنامج “الذرّة من أجل السلام”، وزوّدتها بالتكنولوجيا والموارد والمساعدات الفنية التي شكلت أساس برنامجها النووي، الذي بدأت طهران تطويره في سبعينيات القرن الماضي.
واستقرت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران حتى أطاحت الثورة الإسلامية بالشاه عام 1979، وجاءت بآية الله الخميني من منفاه في باريس إلى سدة الحكم في طهران، لتتحول إيران إلى جمهورية إسلامية معادية للغرب والاستعمار، وتقطع العلاقات مع الولايات المتحدة التي انحازت إلى النظام البائد.

اقتحام السفارة الأمريكية في طهران
استضافت الولايات المتحدة الشاه على أراضيها لعلاجه من السرطان، فاقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا 52 دبلوماسيا لمدة 444 يوما، وطالبوا بإعادة الشاه لمحاكمته، فيما عُرف لاحقا بأزمة الرهائن الأمريكية التي تبناها الخميني وباركها.
ومنذ ذلك الحين قُطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات ما زالت سارية حتى اليوم، من بينها حظر تصدير الأسلحة إلى إيران، كما أضافتها إلى القائمة السوداء للدول الراعية للإرهاب منذ 1984.

الحرب الإيرانية العراقية وفضيحة إيران “كونترا”
كانت الولايات المتحدة من الدول الداعمة للرئيس العراقي صدام حسين خلال حربه مع إيران بين عامي 1980 و1988 سواء بالمعلومات الاستخباراتية أو بالدعم الدبلوماسي والاقتصادي، ما عمّق الخلاف بين طهران وواشنطن، لكن مشهدا آخر كان يدور في “الكواليس”، عُرف باسم فضيحة “إيران كونترا”، حيث وافقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ريغان على دعم إيران بالأسلحة عبر إسرائيل، خلال الحرب العراقية الإيرانية، رغم قرار الإدارة الأمريكية بحظر توريد السلاح إلى إيران وتصنيفها دولة راعية للإرهاب.
وكانت الولايات المتحدة تستخدم عائدات بيع هذه الأسلحة في تمويل مقاتلي “الكونترا” الذين كانوا يسعون للإطاحة بحكومة حزب “ساندينيستا” اليساري في نيكاراغوا، الذي كان يحظى بدعم من الاتحاد السوفياتي وكوبا.

تقارب إيراني وتجاهل أمريكي
في المقابل، ساعدت إيران الولايات المتحدة في حرب الخليج عام 1991، حيث كانت تسعى للخروج من عزلتها وإنعاش اقتصادها المترنح في تلك الفترة، ففتحت مجالها الجوي للطائرات الأمريكية، لكن السلطات الأمريكية واجهت الخطوات الإيرانية بعجرفة، وتجاهلت دعوتها لمؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
وردا على التجاهل الأمريكي، نظمت طهران مؤتمرا لدعم الكفاح المسلح الفلسطيني، جمعت فيه 60 من ممثلي الحركات المناهضة لأمريكا وإسرائيل، من بينهم (حماس) و(حزب الله) و(الجهاد الإسلامي)، حيث بدأت من ساعتها تتشكل ملامح “محور المقاومة”.
وفي سياسة لم تتغير حتى اليوم، حملت إسرائيل على عاتقها الزعم بأن إيران تهدف لتطوير مشروع نووي عسكري غرضه تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى جحيم، فأطلقت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأسبق بيل كلينتون في منتصف التسعينيات حزمة جديدة من العقوبات الخانقة على إيران، ما أدى إلى تصاعد التوترات بين البلدين.
أفغانستان.. ساحة تقارب أخرى
تعاونت الولايات المتحدة استخباراتيا مع إيران في جارتها أفغانستان أثناء الحرب على تنظيم القاعدة، كما لعبت طهران دورا في تشكيل النظام السياسي في كابول بعد سقوط نظام طالبان عام 2002.
لكن كل ذلك لم يشفع لها لدى الإدارة الأمريكية، حيث اعتبرها الرئيس جورج بوش الابن جزءا مما سماه “محور الشر”.

الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن
خاضت إيران مع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مفاوضات بشأن برنامج طهران النووي، توُجت بتوقيع اتفاق معها عام 2015، يقضي بتخفيض العقوبات، مقابل إشراف صارم على برنامجها النووي.
لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألغى الاتفاق عام 2018 بذريعة أنه كان “سيئا ومعيبا”، كما أعاد فرض كثير من العقوبات الاقتصادية على إيران، ثم فرض عقوبات أشد قسوة ضمن سياسة “الضغط الأقصى“.
وزاد من حدة العداء بين البلدين قرار ترامب عام 2020 باغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، لترد إيران بقصف قواعد أمريكية في العراق.

ضربات أمريكية للبرنامج النووي الإيراني
في يونيو 2025، شنت الولايات المتحدة عملية “مطرقة منتصف الليل” ضد منشآت نووية إيرانية رئيسة، باستخدام قاذفات “بي-2” الشبحية التي ألقت قنابل خارقة للتحصينات على 3 منشآت نووية إيرانية، ورغم إعلان ترامب أن المواقع دُمّرت بالكامل، فإن تقارير للاستخبارات الأمريكية شككت في هذا الأمر.
