كيف يوشك الذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل هياكل القيادة العسكرية؟

على الرغم من مرور قرنين من الزمن، فإن هيكل قيادة الأركان العسكرية الحديثة لا يزال شبيها إلى حد كبير بذلك الذي كان قائما في عهد نابليون. في الوقت نفسه، تواجه الجيوش صعوبات كبيرة في دمج التقنيات الحديثة والاستجابة لتطور ساحات القتال، من الجو والفضاء إلى المعلومات والحرب السيبرانية.
أدت هذه التغيرات إلى تضخم مقار القيادة العسكرية وتزايد التعقيدات والمهام وتدفق المعلومات، مما تسبب في تناقص فعالية القيادة وخلق صعوبات تنسيقية حادة تهدد نجاح العمليات.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4كيف استخدمت جامعات أمريكية الذكاء الاصطناعي لقمع الطلاب المؤيدين لفلسطين؟
- list 2 of 4حمار يتسلل فجأة ويدخل البرلمان الباكستاني.. هل “الفيديو” صحيح؟
- list 3 of 4شركة “إتش بي” تعتزم تسريح آلاف الموظفين.. ما السبب؟
- list 4 of 4نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله: “الاستخفاف بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي” أدى إلى نجاح الاغتيالات
الذكاء الاصطناعي ومستقبل القيادة العسكرية
يقول بنجامين جنسن -أستاذ الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب المتقدمة بجامعة مشاة البحرية- إنه في ظل هذه التحديات برز الذكاء الاصطناعي كعامل تغييري قادر على إحداث نقلة نوعية في كيفية عمل الأركان العسكرية، إذ أصبحت البرمجيات الذكية ذاتية العمل -المعروفة بـ”وكلاء الذكاء الاصطناعي”- قادرة على أتمتة المهام الروتينية، وتسريع اتخاذ القرار، وتمكين تشكيلات قيادة أصغر وأكثر رشاقة ومرونة.
ويصيف في تقرير مطول على موقع “ذا كونفرزيشن” أنه يمكن لهذه البرمجيات تحليل المستجدات بسرعة فائقة، وتوفير حلول مبتكرة للخطط العملياتية، والتنسيق بين وحدات عسكرية مختلفة في وقت واحد.
ويرى الخبراء العسكريون وعلماء العلاقات الدولية أن الحاجة لتغيير جذري في هياكل القيادة باتت ملحة، خاصة أن مقرّات القيادة الكبيرة أصبحت هدفا سهلا للطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة وهجمات الحرب الإلكترونية.
ويسلّط ما يسمى “مقبرة مراكز القيادة” الروسية في أوكرانيا الضوء على مخاطر بقاء المقرات القيادية الكبيرة والثابتة أمام تطور أسلحة المراقبة والضربات الدقيقة.
ويستخدم مصطلح “مقبرة مراكز القيادة” للأشارة الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها مراكز القيادة العسكرية الروسية بسبب تركيز القوات الأوكرانية على استهداف هذه المراكز الثابتة بأسلحة دقيقة مثل المدفعية الحديثة، الصواريخ، والطائرات المسيّرة، وفقا لجنسن.

قدرات وكلاء الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية
وكلاء الذكاء الاصطناعي -برامج ذاتية العمل تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي- قادرون على دمج وتحليل مصادر متعددة من المعلومات الاستخباراتية، والنمذجة السريعة للتهديدات، وحتى دعم دورات اتخاذ القرار لصالح القادة ضمن زمن قياسي.
ويمكن لهذه الأنظمة مراجعة الأدلة، وصياغة خطط العمليات، وتوليد سيناريوهات خيارات العمل بشكل أسرع وأشمل من النمط التقليدي. وتتيح هذه التقنيات للقيادات العسكرية تجاوز المهام الروتينية كإعداد التقارير والعروض التقديمية، والتركيز على التقييمات الاستباقية وتحليل سيناريوهات “ماذا لو”.
ويقول جنسن -وهو باحث مقيم في كلية الخدمة الدولية بجامعة أمريكان، ومتخصص في قضايا الاستراتيجية العسكرية- إن التجارب العسكرية -مثل تلك التي أجريت في جامعة قوات مشاة البحرية الأمريكية- أظهرت أن نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة تسرع من العمليات التخطيطية وتنتج خيارات إبداعية مدعومة بالبيانات.
وأتاح استخدام الذكاء الاصطناعي إجراء “اختبارات الفريق الأحمر” المتكررة، وهي تمارين تمثيلية لدراسة تكتيكات الطرف المعادي، مما يوفر للقيادة قائمة أوسع من الخيارات في زمن أقصر.
إعادة تصميم الأركان العسكرية لعصر الذكاء الاصطناعي
ووَفق الموقع، قاد فريق من الباحثين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن تجارب لدراسة أفضل طريقة لتصميم الأركان العسكرية المدعومة بوكلاء الذكاء الاصطناعي.
ووجدوا أن النموذج الأمثل هو نموذج “الأركان التكيفية”، الذي يعتمد على تدوير المعلومات بشكل مستمر بين الإنسان والآلة عبر حلقات تغذية راجعة متواصلة، وبذلك تتحول عملية التخطيط العسكري إلى عملية ديناميكية تركز على إنتاج بدائل استراتيجية متنوعة يختار القائد ما يناسب ظروف الميدان منها.
وطبّق الفريق هذا النموذج على ثلاث سيناريوهات عملياتية كبرى تشغل بال المحللين العسكريين اليوم: الحصار المشترك (كما في سيناريو الصين وتايوان)، والهجمات النيرانية المشتركة (ضربات الصواريخ الروسية في أوكرانيا)، وحملات الإنزال البرمائي (العقيدة الصينية في غزو الجزر)، وأثبت النموذج في جميع هذه التجارب قدرته على تجاوز النماذج التقليدية من حيث الفعالية والمرونة.

تحديات وحوكمة المخاطر
ويؤكد جنسن أن الذكاء الاصطناعي يطرح فرصا كبيرة وتحديات معقدة، إذ قد تكون النماذج الذكية عامة ومتحيزة وتفتقر للعمق العملياتي إذا لم تحدث بشكل مناسب، كما أن الاعتماد عليها دون تطوير التفكير النقدي لدى الضباط يحمل مخاطر سلبية.
لذا يتطلب الأمر من المؤسسات العسكرية نهجا متكاملا يشمل تطوير البنية المعلوماتية، تعزيز الأمن السيبراني، وتحسين برامج تدريب الضباط لتشمل أساسيات الذكاء الاصطناعي وبناء الوكلاء الأذكياء، حتى لا تبقى الهياكل القيادية أسيرة النماذج التقليدية في مواجهة تعقيدات العصر الحديث.