قبة الصخرة.. أيقونة القدس ودرّة العمارة الإسلامية

تقع الصخرة المشرفة في قلب المسجد الأقصى المبارك، وتستمد مكانتها الدينية من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية. فقد افتُتحت سورة الإسراء بذكر رحلة الإسراء والمعراج التي ارتبطت بالمسجد الأقصى، إذ قال الله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
كما ورد في الحديث الشريف الذي رواه أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه حين سُئل عن أول مسجد وُضع في الأرض قال “المسجد الحرام”، ثم المسجد الأقصى بعده بأربعين عاما، مضيفا “وصلّ حيث ما أدركتك الصلاة”.
وفي حديث آخر أكد الرسول الكريم ﷺ “لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا”. ولهذا استقبل المسلمون بيت المقدس قبلة لهم في الصلاة نحو 16 شهرا قبل تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة.

فكرة البناء في عهد الدولة الأموية
كان للمسجد الأقصى مكانة عميقة في نفوس المسلمين، ومع ازدهار الدولة الإسلامية ورسوخ قوتها، برزت الحاجة إلى مشروعات عمرانية تجسد عظمة الإسلام وتبقى شاهدة على حضارته. وفي هذا السياق، برزت فكرة بناء قبة الصخرة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.
حضر الخليفة عبد الملك بنفسه إلى بيت المقدس، واستشار الأمصار بكتب أرسلها بشأن مشروع البناء، فجاءته الردود مؤيدة. وكلَّف اثنين من رجاله الموثوقين، هما رجاء بن حيوة من بيسان، ويزيد بن سلام من القدس، للإشراف على المشروع.
بدأ العمل ببناء قبة السلسلة نموذجا، فلما أُعجب الخليفة بهيئتها أمر أن تُشيَّد قبة الصخرة على غرارها، وأوقف خراج مصر 7 سنوات لتمويل البناء.
وعند الانتهاء، فاض عن المشروع نحو 100 ألف دينار، فأرسل القائمون عليه إلى الخليفة يستأذنونه في صرفها، فكتب إليهم بجائزة، لكنهم اعتذروا، وأكدوا استعدادهم للتبرع بحلي نسائهم من أجل المسجد، فوجَّه الخليفة الأموال لصبها على القبة نفسها، لتصبح إحدى أروع التحف المعمارية الإسلامية.

جدل بشأن دوافع البناء
اختلف المؤرخون بشأن الدوافع الحقيقية وراء تشييد القبة، فبعضهم يرى أن عبد الملك بن مروان أراد أن يواجه سياسيا عبد الله بن الزبير في مكة، عبر تحويل أنظار أهل الشام إلى بيت المقدس، بل وحرمان خصمه من العوائد المالية للحج.
بينما ذهب رأي آخر إلى أن الدافع كان دينيا بحتا، إذ رغب الخليفة في أن يكون للمسلمين مسجد يضاهي بجماله كنائس النصارى في القدس والشام، ويعكس التفوق الفني والحضاري للحضارة الإسلامية الناشئة.
تحفة معمارية صامدة عبر العصور
حافظت قبة الصخرة على طابعها المعماري والفني منذ إنشائها، وتتميز بما تحويه من فسيفساء وزخارف حجرية جعلتها إحدى أعظم التحف الفنية المعمارية التي أنجبتها الحضارة الإسلامية.
يأخذ مبنى قبة الصخرة شكلا مثمنا من الخارج، طول ضلعه نحو 12.5 مترا. ويقوم البناء الداخلي على مثمن آخر يرتكز على دعامات وأعمدة أسطوانية تحيط بدائرة تتوسطها الصخرة المشرفة. وفوقها تنتصب القبة بقطر يبلغ 20.44 مترا، وارتفاع يصل إلى 34 مترا عن سطح الصخرة.

محن تاريخية
تعرضت الصخرة المشرفة لزلازل عدة، منها زلزال عام 86هـ/704م، لكنها صمدت دون أن تتأثر. أما في زمن الاحتلال الصليبي، فقد حُولت إلى كنيسة، ودُفن صليب على سطحها، كما نُهبت بعض حجارتها ونُقلت إلى أوروبا حيث بيعت بوزنها ذهبا.
وبعد تحرير بيت المقدس، أعاد صلاح الدين الأيوبي للقبة مكانتها وزينتها، لكنها تعرضت لاحقا لحريق كبير نتيجة إشعال طفل شمعة على سطحها أثناء صيده للحمام.
شهدت قبة الصخرة أعمال ترميم وتجديد متكررة في عهود إسلامية متعاقبة. ففي عهد محمد بن قلاوون صُنعت لها أبواب نحاسية، بينما أنفق السلطان الظاهر جقمق 2500 دينار ذهبي و120 قنطارا من الرصاص على صيانتها الخارجية. أما السلطان الأشرف قايتباي فجدد أبوابها الرئيسة عام 872هـ/1467م.
وفي الحقبة العثمانية أضيف القاشاني إلى جدرانها، بينما قامت الحكومة الأردنية عام 1958 بترميم شامل استمر 5 سنوات، وتكرر التجديد عام 1995.

الزخارف والجماليات
تتكون قبة الصخرة من قبتين؛ داخلية وخارجية، يفصل بينهما فراغ مقداره 1.5 متر يسهل أعمال الصيانة، ويوفر عزلا حراريا يقلل من برودة الشتاء وحر الصيف.
القبة الخارجية صُنعت من الألمنيوم المحروق بالنار، وغُطيت بطبقة خفيفة من الذهب لضمان متانتها. أما شكلها الحالي فيعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي، حيث كتب أسفلها نص من سورة الإسراء.
تميزت القبة بزخارفها الفريدة، خصوصا في القسم العلوي الذي جُدد في القرن الرابع عشر الميلادي على يد ابن قلاوون.
وتظهر الزخارف الأموية بوضوح في الإطارات المزخرفة بالذهب، وفي الزخارف النباتية الملوَّنة التي تضم أوراق الشجر والأجنحة المذهبة، مما جعلها من أبدع نماذج الفن الإسلامي المبكر.
