من بين الأعلى عالميا.. قفزات في معدلات الولادة القيصرية بمصر وسط تحذيرات طبية واستنفار حكومي

على باب مستشفى الجلاء للنساء والتوليد بوسط القاهرة، وهو أحد أقدم المستشفيات الحكومية بمصر لا حديث بين العشرات من المنتظرين سوى عن تكلفة عملية “الولادة القيصرية” وتبعاتها حتى لو أجريت في القسم المجاني.

وتنتظر أم دنيا مع جارتها سامية على الباب الخارجي للمستشفى المطل على شارع الجلاء، بينما تحاول سلوى، الموظفة الإدارية بالمستشفى، إقناعهن بعدم خطورة الجراحة التي قررها الطبيب ضمن عشرات الحالات يوميا التي رفعت تصنيف مصر في هذا المجال لتصبح من أعلى المعدلات عالميا بمعدل يقارب أربعة أضعاف المعدل العالمي الذي يتراوح بين 15% و20% طبقا لوزارة الصحة.

وأوضحت سلوى للجزيرة مباشر أن أم دنيا التي جاءت بتوصية من أحد الأقارب وجارتها، تعانيان من مشاكل صحية تستدعي التدخل الجراحي، مشيرة إلى أن المستشفى يستقبل مئات الحالات يوميا وتتقرر للنسبة الكبرى منهن إجراء “الولادة القيصرية”.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ولا تعرف سلوى سببا صحيا لتزايد الحالات، لكنها تشير إلى أن الهم الأكبر للمترددات على المستشفى هو مجانية العملية، وتستدرك قائلة: “هي ليست مجانية بالكامل. وعلى الحالة أو ذويها التبرع بكيس دم واحد على الأقل مع تحمل تكلفة إجراء بعض التحاليل”.

ويعترف طبيب التوليد أمين سامي بأن ضعف الخدمة بالقسم المجاني يدفع الكثيرين نحو الجراحة القيصرية بالقسم الاقتصادي بتكلفة نحو 9500 جنيه (198 دولارا تقريبا)، وأوضح للجزيرة مباشر أن الخدمة المجانية لها قيمة رمزية تبلغ 150 جنيها (ثلاثة دولارات تقريبا) مع التبرع بكيس دم لتعزيز مخزون المستشفى الذي يعاني في ظل فقر الإمكانيات. ولفت إلى أن أغلب المترددات هنّ من محدودي الدخل وليس أمامهن إلا القسم المجاني.

الولادة القيصرية

والولادة القيصرية عملية جراحية يتم فيها إخراج الجنين من رحم الأم عبر شق البطن والرحم. ورغم أنها تصنف ضمن الجراحات الكبرى فإن الطبيب أمين سامي يقول إنها “آمنة للأم والطفل ولكن يفضل عدم اللجوء إليها إلا للضرورة”، وأوضح أن العملية تستغرق نحو ثلثي ساعة لكنه استدرك قائلا: “الولادة الطبيعية أفضل”.

كما ألمح الطبيب إلى أن أعدادا متزايدة من الحوامل يطلبن إجراء الولادة القيصرية دون ضرورة صحية بسبب “ضعف الوعي”، وطمعا في الاستفادة من “الفارق الرهيب بالتكلفة مقارنة بالمراكز الخاصة”.

وبحسب المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021 بلغت نسبة الولادات القيصرية حوالي 72% من إجمالي الولادات، مقارنة بنسبة 52% عام 2014، وهو ما أثار تساؤلات متزايدة عن أسباب هذه النسبة الهائلة، كما استدعى تدخل وزارة الصحة بإعلان حزمة إجراءات تهدف لخفض هذه النسبة ودشنت حملات توعية وألزمت المنشآت الطبية الخاصة بإحصاءات شهرية بإجمالي الولادات ونسبة القيصرية منها وتحليل أسبابها.

وبينما تسعى وزارة الصحة إلى خفض معدل الولادة القيصرية إلى 50% بنهاية العام الجاري جاء تشديد المتحدث باسم الوزارة على “المبررات الطبية” لتلك الجراحة.

 

لماذا تتزايد المعدلات؟

وأرجع استشاري أمراض النساء والتوليد أحمد إسماعيل تزايد معدلات الولادة القيصرية إلى تخوف كثير من النساء من آلام الولادة الطبيعية واستجابة بعض الأطباء لرغبتهن طمعا في مزيد من الأرباح، لكنه قال إن الأمر يختلف من امرأة إلى أخرى حسب الحالة الصحية.

وأضاف: “هناك ضرورات مثل ضيق الحوض، أو الإصابة بسكري الحمل وضغط الدم، أو وجود ولادة قيصرية سابقة تصعب العودة للولادة الطبيعية وتضعف المخاض. وهناك أسباب تتعلق بالجنين ونقص الأوكسجين والوزن الكبير أو وضعيته قبل الولادة، وهو ما يجعل الولادة القيصرية حتمية”.

وأشار المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار في تصريح صحفي إلى أن 60% من قرارات الولادة القيصرية في يد الأطباء بينما يعود 25% إلى قرار الحامل، أما الباقي فهي حالات اضطرارية.

وتحدثت الطبيبة عبلة الألفي، نائبة وزير الصحة، عن ضرورة نشر الوعي بأخطار الولادة القيصرية مشيرة إلى افتتاح 4200 غرفة مشورة أسرية “لإنقاذ الشعب المصري من العادات الصحية الخاطئة”.

وتحدثت عبلة الألفي، بصفتها المشرفة العامة على المجلس القومي للسكان، في تصريحات صحفية عن تغييرات في الفكر المجتمعي، وقالت إن كثيرا من السيدات ينظرن للولادة القيصرية باعتبارها خيارا أسرع وولادة بدون ألم. وتشير الألفي إلى أن الولادة الطبيعية تظل أكثر أمانا، وتتوافق مع التجارب العالمية، لافتة إلى أن القطاع الخاص يستحوذ على أكثر من 70% من الولادات في مصر، مقابل 20% فقط في القطاع الحكومي.

أخطار القيصرية

ولخص استشاري التوليد أحمد إسماعيل أخطار الولادة القيصرية للجزيرة مباشر في عدوى الجروح، وعدوى بطانة الرحم وما يتبعها من الحمى وألم البطن والنزيف المفرط، مع احتمال تجلط الأوردة وتلف المثانة أو الحالبين.

كما أشار إسماعيل إلى أخطار قد تصيب الطفل بينها جروح سطحية وصعوبات في التنفس تظهر لدى المولودين قبل الأسبوع 39 من الحمل.

ولفت استشاري التوليد إلى حتمية إدخال وليد الجراحة القيصرية إلى “الحضانة” الاصطناعية لعدم اكتمال النمو وخصوصا الرئتين. كما ألمح إلى رصد إصابات متزايدة بالسمنة و”التوحد” بين مواليد “القيصرية”.

وطالب استشاري التوليد بإعادة الاعتبار للولادة الطبيعية، كما اتهم بعض المراكز الصحية الخاصة بالمسؤولية عن شيوع القيصرية بتسويق وهم “الولادة بدون ألم” مقابل جني أرباح طائلة قد تتجاوز 50 ألف جنيه (نحو ألف دولار) للعملية الواحدة.

“بدون ألم”

لكن مسؤولا في مستشفى “الندى” المتخصص في الولادات القيصرية بحي المنيل بالقاهرة، طلب عدم ذكر اسمه، نفى اتهامات التربح وتسويق وهم “الولادة بدون ألم”، وقال للجزيرة مباشر إن هذا النوع من الجراحات شهد تطورا كبيرا يجب الاستفادة منه لراحة المرضى.

ولفت المسؤول إلى أن أغلب الحالات تطلب طوعا الولادة القيصرية لأسباب تتعلق بها دون ضرورة طبية، موضحا أنه يتم توفير حضانات على مستوى عال للمواليد فور ولادتهم مع توفير رعاية خاصة غير متوفرة في المستشفيات الحكومية.

وقالت نسرين أسامة، التي كانت تستعد للخروج من المستشفى الخاص بعد ولادة قيصرية، إنها سعيدة بتجربتها، وخصوصا أنها “كانت تتخوف وتشعر بالتوتر الشديد أثناء الحمل”، بينما قالت أسماء حسين، وهي ربة منزل، إنها وضعت أبناءها الثلاثة بشكل طبيعي، لكنها أضافت أن الأجيال الجديدة “ربما يكون لها رأي آخر”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان