علم طفلك يقول “لا”

بعض الناس قد يشعر أن كلمة “لا” مزعجة من الطفل داخل البيت، أو أنها عدم طاعة للوالدين، خاصًة وأنها ترتبط أحيانًا كثيرة بالواجبات أو أداء الصلاة أو مساعدة أفراد العائلة، فيفاجأ الوالدان بقول الطفل “لا” ولا يدركان أن كلمة لا لها ضرورة مهمة جدًا في السواء النفسي للطفل، فطفل بلا “لا” هو بمنزلة جرس يدق ناقوس الخطر، إذ أنه مشروع مريض نفسي أو مدمن.

التدريب على الخنوع

يشتد انزعاج بعض الأسر من قول الطفل كلمة لا، إذ يرونها أنها مجرد عناد أو تعدي على ذاتهم، فيبدأ غضبهم وعقابهم للطفل إذا نطق كلمة “لا” حتى إننا نسمع من بعض الأمهات صراحة “لا تقل لا”.

وهذا تدريب يومي على الخضوع والخنوع، ونشأة رجل أو امرأة في المستقبل لا يستطيع قول كلمة “لا” سواء لزميل عمل أو دراسة أو ظروف غير ملائمة “عيب أو حرام”.

فمنع الطفل من كلمة لا بمنزلة تقليم وتقييد لوسائل الدفاع عن نفسه وحماية ذاته من أي موقف قد يؤثر فيه سلبا.

أهمية لا

كلمة لا سلاح الشخص في رفض غير المرغوب دينيًا واجتماعيًا أو حتى شخصيًا، فشخص لا يعرف أن يقول لا هو شخص منتهك الحدود، لن يستطيع رفض المخدر أو التدخين من صديق السوء، لن يستطيع قول لا لعميل أو مدير أو موظف مرتشي، لا يستطيع قول لا لظالم، لن يستطيع رفض أي انحراف أخلاقي، بل لا يستطيع حتى حماية جسده ومساحته الشخصية من المتحرشين او المتطفلين.

الفطام النفسي هو في كلمة لا

وتعد مدرسة التحليل النفسي أن الرفض الأول من الطفل لأي شيء تقدمه الأم أو أول كلمة لا، هي بمنزلة أول انفصال حقيقي للطفل عن ذات الأم وإدراكه أنه ذات مختلفة، لها حق الاختيار، حق القبول أو الرفض، ويعد هذا هو الفطام النفسي الحقيقي للطفل وخطوة مهمة في نموه السوي.

ويعتبر فرويد أن رفض الأم لهذا الفطام النفسي الأول، هو مؤشر لاضطرابها النفسي وعدم قدرتها هي على الانفصال، حتى أن بعض الأمهات غير السويات يقومن لا شعوريا بتقييد الطفل نفسيًا ومنعه من الانفصال ويتدخلن في كل تفاصيل حياته وكل اختياراته حتى بعد أن يصبح رجلًا وتسميه العامية “ابن أمه” بمعنى أنه هو أيضًا أصبح بلا شخصية ولا يستطيع الانفصال عن الأم لتنشأ سلسلة من المشكلات والاخفاقات الاجتماعية والزوجية المعروفة لشخصية “ابن أمه”.

TURIN, ITALY - JUNE 23: A pregnant woman with a doll, used as if it was her baby, during the last class of the pre-birth course in the Maternity House "Prima Luce", on June 23, 2022 in Turin, Italy. Here, qualified midwives teach women several advantages and techniques for breastfeeding, in order to take care of their future child. They teach the importance of breastfeeding for their own health and that of their baby and help them better prepare for the postnatal period. Amid baby formula shortages in the United states, Europe has the world's lowest number of breastfeeding mothers. (Photo by Diana Bagnoli/Getty Images)

(غيتي)

يبدأ التدريب مع الشهور الأولى وفترة الرضاعة فمجرد أن يشيح الطفل بوجهه لرفض الطعام أو الشراب في الحالات الطبيعة، فهذه إشارة للرفض، أو ايماءة بديلة لكلمة لا.

التدريب على نعم أولا

لا بد أن نعرف أن الطفل يدرك معنى الكلمتين “نعم ولا” وأن نعم أوافق أو أريد واضحة له. والبداية في الشهور الأولى أيضًا، اعرض على الطفل أشياء يحبها واسأله هل تريد؟ سيقوم بإشارات بيديه أو إيماءات برأسه يعني الطلب، ومع تقدم العمر وقدرته على إنتاج الحروف سيستطيع قول نعم، وأغلب الأطفال يستطيعون التعبير عن الرغبة أو نعم بسهولة، ولكن المهم الاطمئنان على وجودها لأن بها يعرف الضد وهو لا.

التدريب على لا: التدريب على لا يبدأ مع فترة الرضاعة، ولا تجبره على قبول طعام بالقوة أو العنف، ومن أساليب التدريب الأشهر توجيه السؤال: هل تريد؟
– اعرض عليه في سن مبكر أشياء تعرف مقدمًا أنه يرفضها كطعام أو شراب وأدوات أو أسلوب لعب وبمجرد أن يقول لا امتنع أو اسحب الشيء المرفوض، فكأنك تشعره أن لا كلمة سحرية.
– لا بد أن يراك الطفل تقول لا لبعض الأشياء ويرى الأم والإخوة يرفضون بعض الأشياء التي لا يحبونها أو يرفضونها بأمان ولا يحدث لهم مكروه نتيجة الرفض، إنه يتعلم بالتقليد والملاحظة ومن البيئة الاجتماعية

البيئة الآمنة: وهنا تكمن أهمية الجو الأسري الآمن الذي يمكنه أن يعبر عن رفضه لشيء لا يحبه دون خوف، فالبيئة الآمنة التي لا يمكن أن تجبره على شيء بالقوة والعنف، لا يمكن إرغامه عَنوة على شيء هو يقول له لا.

وماذا لو تعدى حدود الأدب والواجب؟!

التدريب على قول “نعم ولا” لا يعني تعدي حدود الأدب أو أنه لا يؤدي واجباته، فلا غنى في التربية عن الحزم، بل لا تربية بلا حزم، ما نريده هو احترام كلمة لا في غير الواجبات أو الفروض أو اللوازم.
أما الواجب والمفروض واللازم والآداب فهي من قوانين الأسرة وتفاهمتها وحزمها، فهل يعقل أن نقول له لا تلعب في الكهرباء أو تقفز في أماكن خطرة، ويقول لا؛ فنحترم رغبته ونعرض حياته للخطر.
إن التدريب على قول “لا” لا يعني أبدًا اختفاء الثواب والعقاب والحزم.
إن التدريب على كلمة لا لن ينشئ طفلا عنيدا أو قليل الأدب، بل سينتج طفلا قويا.

SPAIN - APRIL 09: A group of women who have suffered gender violence and have filed official complaints, live together with their children in a home enabled by the Spanish state on April 9, 2020 in Spain. The government provides asylum in homes for women who request it, enabling them to flee from their homes and from their abusive partners. (Photo by Alvaro Calvo/Getty Images)
(غيتي إيميجز)

الصيام كمثال تدريبي على كلمة لا

تدريب الطفل على الصيام هو نوع من التدريب على قول لا وعلى الرفض، كما هو تدريب لنا نحن الكبار، فنحن نتدرب 30 يوما على قول لا للحلال والمباح “الطعام والشراب والعلاقة الزوجية ” مع أنهم حلال، ولكن هناك فترة تدريب على رفض المباح مع القدرة، لتسطيع رفض الحرام بعد رمضان.
كذلك يتدرب الطفل على الصيام حسب عمره على رفض المعروض حتى ولو كان ممكن وفي المتناول، حتى ولو لم يرني أحد.

الصبر على لا في حالة التدريب الناجح والأسرة السوية والطفل السوي سيكون الطفل قادر على الرفض بوضوح وقوة، وسيشتد هذا الأمر بطبيعة الحال في فترة المراهقة (الإعدادي والثانوي) التي يسميها التحليل النفسي الميلاد الثاني واكتشاف الذات، وهي بالطبع تحتاج إلى صبر واستيعاب لا لهدم شخصيته وكسرها.

الرسول القدوة واستقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلمة لا من أنس برفق ولين واستيعاب المربي، ففي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحسن الناس خلقًا فأرسلني يوما لحاجة؛ فقلت “والله لا أذهب”، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قبض بقفاي من ورائي، قال فنظرت إليه وهو يضحك فقال يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟ قال قلت نعم أنا أذهب يا رسول الله، قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته لم فعلت كذا وكذا، أو لشيء تركته هلا فعلت كذا وكذا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان