شاهد.. علاء صادق: الكاميرون البطل.. مصر الثاني.. فوز منطقي.. نتيجة عادلة

ببساطة.. انتصرت كرة القدم.. وغاب الحظ.

فاز الفريق الأفضل.. وتوج منتخب الكاميرون بطلا لكأس الأمم الأفريقية 2017.

المباراة النهائية لكأس الأمم 2017 جاءت مثيرة جدا وممتعة في لحظات كثيرة.. وانعدم خلالها التكافؤ إلا في دقائق معدودة.. اكتسحها المصريون لنصف الساعة وترجموا تفوقهم بأقل مما يستحقون.. وتساوت الكفتان لربع الساعة.. ثم اجتاح الأسود معسكر الفراعنة بهجوم ضار نالوا خلاله ما يستحقون وخرجوا منتصرين.

منتخب مصر العائد إلى البطولة القارية بعد غياب سبع سنوات افتتح المباراة كأجمل ما تكون الافتتاحيات مسيطرا ومنتشرا ومهاجما وضاغطا بل وكاد يسجل هدفا لعبد الله السعيد بعد 75 ثانية فقط.. وتجلت مهارات الرباعي محمد صلاح ومحمد النني ومحمود تريزيجيه وعمرو وردة مع السعيد في فرض الهيمنة وإرباك المنافس.. وتوج التقدم منطقيا بهدف للنني من أجمل الأهداف التي تحمل بصمات العمل الجماعي.

لكن العيوب المصرية المزمنة عادت وشوهت كل ما هو جميل.. (ويختلط فيها الجانب الاجتماعي مع الكروي والاقتصادي وغيرها).. تسربت القناعة الزائدة أو الزائفة إلى قلوب وعقول الفراعنة فهدأ الأداء وندرت المحاولات الجادة على المرمى واكتفوا بالهدف اليتيم دون أي سعي لتعزيزه أو لقتل المباراة رغم أنها كانت بين أيديهم تماما.. وكان منافسهم المرتبك والمذعور منهارا بل وخارج اللقاء.. وهكذا تراجع الفراعنة ومنحوا لمنافسهم المستسلم قبلة الحياة وأعادوه إلى المباراة ليلتقط أنفاسه ويعيش أجواء النهائي خلال الجزء الأخير من الشوط الأول.. ومع تغييرين أحدهما اضطراري ولكنه جيد بخروج المدافع التائه تيكو وثانيهما اختياري وكان عبقريا بل وأسطوريا بنزول الهداف الموهوب فنسان أبو بكر بدلا من الحصان الجامح تامبيه.. وتحولت الدفة وجلس الأسود على مقعد القيادة وأعادوا الفراعنة إلى المقاعد الخلفية..

المحطة الأولى.. التشكيلان

اعتمد الأرجنتيني هيكتور كوبر المدير الفني لمنتخب مصر على تشكيلة اضطرارية مائة بالمائة بسبب الإصابات والإيقاف.. ولذلك اشترك أحمد فتحي الظهير الأيمن في موقع الظهير الأيسر رغم أنه لا يجيد اللعب بالقدم اليسرى كما يفعل باليمنى.. واشترك لاعب الوسط عمرو وردة قلبا للهجوم رغم ضآلة جسمه قياسا بأجسام منافسيه.. ورغم ذلك كان وردة بطل الفراعنة الأول بفارق شاسع عن أقرب زملائه من حيث الجهد والأداء والالتزام.

واعتمد البلجيكي هوجو بروس على نفس التشكيلة التي خاض بها مباراته ضد غانا ولكنه اكتشف عدم جدواها وتدخل لتعديلها بوعي وسرعة سواء بالاستبدال أو بتبديل الأماكن ووفق في كل قراراته وانتزع الكأس.

المحطة الثانية: نصف ساعة مصرية خالصة

بها من الروائع الكثير للفراعنة ولكنها شملت سلبية واحدة مؤسفة.. وأول الروائع هي البداية الهجومية الممتازة والضغط الكامل على المنافس في كل أرجاء الملعب والتزام عشرة لاعبين بأداء المهام الدفاعية والهجومية دون استرخاء أو تهاون.. وثاني الروائع التفوق المهاري الواضح للرباعي محمد النني وعبد الله السعيد وعمرو وردة ومحمد صلاح على منافسيهم في كل الكرات الثنائية.. وثالث الروائع القدر الكبير من الانتشار فى أرجاء الملعب لزيادة المساحة التي يذهب إليها المنافسون.. مع البراعة في التحركات السلبية لخلق المساحات في ظهر لاعبي الكاميرون وهو ما تم تنفيذه مرتين في الهدف.

ورابع الروائع كان الهدف الذي شمل مجموعة من عناصر البراعة في فنون كرة القدم.

لكن السلبية الوحيدة المؤسفة هي عدم استمرار الضغط لتعزيز الهدف واستغلال الارتباك الذي عاني منه الخاسر بعد اهتزاز شباكه.. ثم انتهى كل شيء لدى الفراعنة عند علامة نصف الساعة وكأن المباراة قد انتهت عمليا رغم أنه كان باقيا على زمنها ساعة كاملة.

المحطة الثالثة: عودة الكاميرونيين وانحسار المصريين

دون أي مبرر تراجع كل لاعبي منتخب مصر إلى الخلف بشكل زائد حتى وصل الأمر إلى التحام الثنائي النني وطارق حامد بخط الدفاع مع عودة السعيد ووردة وتريزيجيه إلى حدود منطقة جزائهم أو داخلها أحيانا.

ولم يكن لمصر هجمة واحدة ناضجة في ربع الساعة الأخير من الشوط الأول بينما منح خطأ ساذج للحضري فرصة التعادل للمذعور باسوجوج فسدد عاليا.. وبعدها برع النني ووردة فى التغطية مرتين داخل منطقة الجزاء لمنع الخطورة.

الغريب أن تغييرا إجباريا أجراه منتخب الكاميرون بإشراك قلب الدفاع نيكولو بدلا من تيكو المصاب.. وكان تيكو في حالة غريبة خلال الوقت الذي شارك فيه وتسبب في هدف مصر بسذاجة عندما ترك النني وحيدا خاليا من الرقابة أمامه مباشرة وتركه متجها إلى الخلف وكأنه لاعب في مباراة أخرى.

المحطة الرابعة: الأسود سادوا وأجادوا

يا له من تغيير عبقري للمدرب هوجو بروس بإشراك فنسان أبو بكر بدلا من تامبيه رأس الحربة الذي انتهت عنده كل الكرات في الشوط الاول.. ويعكس التغيير الثاني قبل بدء الشوط الثاني (في لقاء يمكن أن يمتد إلى أربعة اشواط) قمة الشجاعة والرؤية الواعية للمدرب.. بينما لم يدخل كوبر أي تعديل على فريقه ولا على طريقته.. ولم يتمكن من إعادة زرع الشجاعة والانضباط في عقول لاعبيه ليعودوا في الشوط الثاني كما بدأوا في الأول.

ومن الدقيقة الأولى للشوط انهمرت الهجمات الكاميرونية كالسيول وسارت المباراة في اتجاه واحد.. أسود تركض للوصول إلى التعادل وفراعنة يجاهدون للحفاظ على تقدمهم.. وبعد ربع ساعة من الصمود أمام سيول الهجمات الكاميرونية جاء الهدف المرتقب (والمتوقع طبعا) من رأسية للبديل نيكولو من عرضية موكاندجيو الموجود وحيدا في فدان خال من الضغط أمام منطقة الجزاء (والسؤال: أين المحمدي أو حامد أو صلاح أو السعيد؟).. ولم يخرج الحضري رغم أن الكرة على خط منطقة المرمى أي على مسافة 4 أمتار فقط.. وتفوق نيكولو على حجازي فى الارتقاء.

المحطة الخامسة: تغييران على الجانبين

في منتصف الشوط الثاني حدث تغييران أولهما اشتراك رمضان صبحى بدلا من تريزيجيه في الجانب الأيسر.. وهو أمر جيد نظريا ولكنه خطأ فظيع على صعيد سير اللعب لأن الجانب الهجومي عند الفراعنة في تلك اللحظات كان ضائعا ولا يمكن للاعب مهما كان شأنه أن يقلب الأمور تماما.. ولذلك لم يقدم رمضان شيئا هجوميا يذكر.. ولكن الخطأ في التغيير أن تريزيجيه كان ممتازا في واجباته الدفاعية لإيقاف ازدواجية فاي وموكاندجيو في الجناح الأيمن.. وبعد خروجه اتسعت المساحات للأسود في تلك المساحة كثرت منها الهجمات الخطيرة.

ثم كان التغيير الخططي العبقري أيضا لبروس دون نزول أو دخول بنقل موكانديو الجناح الأيسر صاحب المجهود الهائل من جانب اليمين إلى اليسار واتجاه باسوجوج الأعلى مهارة بدلا منه إلى اليسار.

والبراعة في التغيير لأن الجانب الأيمن للدفاع المصري حيث يتواجد أحمد المحمدي كان خاليا بلا أي دعم لنقص عودة محمد صلاح للدفاع أو لتعب عمرو وردة ونقص عودته كما حدث في الشوط الأول.. وتمكن باسوجوج من استغلال المساحات لتشكيل خطر داهم.

الجزء الثاني من الشوط الثاني امتلأ بالألعاب الكاميرونية الخطيرة ووفرة الركلات الركنية المتتالية مما أدى لارتباك متكرر بين مدافعي مصر وظهور الأخطاء.. وفشلت محاولات الحضري في تهدئة اللعب ادعاء إصابة وهمية لإيقاف اللعب لأكثر من دقيقة.. وبعد فرصتين كبيرتين لزوا وموكاندجيو جاء هدف اللقب للموهوب أبو بكر من مراوغة بارعة من فوق رأس علي جبر (يطلق عليها الفرنسيون لقب مراوغة الشمسية).

النجم: فنسان أبو بكر.. صاحب الفضل الأكبر وربما الأوحد في تتويج الكاميرون بطلا لأفريقيا 2017.. ليس بسبب الهدف الثاني البديع الذي راوغ خلاله علي جبر من فوق رأسه (وكأنه بيليه) بل لأن اشتراكه في الشوط الثاني قلب الموازين الفنية لتصبح لمصلحة فريقه وعادل التفوق المهاري المصري بل وقدم من اللمحات ما لم يقدمه أي لاعب مصري طوال الدورة خاصة في الهدف الثاني الخيالي.

المخطئ: كثيرون يتنازعون هذا المكان ولكننا نركز على لاعبين فقط هما قلبا الدفاع على الجانبين.. المصري علي جبر فى خطأ الهدف الثاني وما أغرب أن يتعرض مدافع له خبرات ويمتاز بارتفاع القامة لمراوغة الشمسية من فوق في اللحظات القاتلة من المباراة.. والكاميروني تيكو في خطأ الهدف الأول، وما أعجب أن يترك مدافع أحد منافسيه داخل منطقة الجزاء اختياريا ليمنحه كل ما يتمناه من زمن ومساحة للتسجيل.

التحكيم: الحكم الزامبي جاني سيكازوي أدار مباراة بالغة السهولة ليس بها هدف مشكوك في صحته ولا مخالفة تستحق ركلة جزاء أو تثير جدلا.. وليس هناك واقعة تسلل مؤثرة سلبا أو ايجابا.. ولا يوجد مخالفة جسيمة تجاهلها أو احتسبها بالخطأ ولا لاعب يستحق الطرد وتركه.

وهي من أسهل وأنظف المباريات النهائية في تاريخ كأس الأمم الأفريقية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان