كرة القدم اللعبة الجميلة الخيط الرفيع بين العولمة والانتماء

عند إعلان المذيع الداخلي عن تشكيل الفريقين لمباراة باريس سان جيرمان الفرنسي مع ريال مدريد الإسباني في ملعب الأمراء في باريس، فوجئ المشاهدون بتشكيل الفريقين العجيب.

كتب الدكتور علاء صادق
يوجد في الفريق الباريسي لاعبان إسبانيان هما خوان بيرنات وبابلو سارابيا مقابل لاعب فرنسي واحد كيمبيمبي فى الفريق الباريسي.
بينما يوجد ثلاثة فرنسيون هم كريم بن زيمه ورافاييل فاران وميندى فى قائمة الريال الإسباني بالإضافة لمدربهم الفرنسي الشهير زين الدين زيدان مقابل لاعب إسباني واحد هو كاراباخال.
الإسبان أغلبية على الفرنسيين في النادي الباريسي، والفرنسيون أغلبية على الإسبان في الفريق المدريدي!
الحقيقة أنه منذ دخلت لعبة كرة القدم إلى عالمنا في منتصف القرن التاسع عشر في انجلترا عرف الإنسان ظاهرة الانتماء والتعاطف والتشجيع لأي لاعب أو فريق بداية من الجار مرورا بالحي ثم للمدينة وللنادي وللدولة.

ريال مدريد يتوج بلقب دوري أبطال أوربا للمرة الثالثة على التوالي

كرة القدم منحت للشخص (الصغير والكبير.. الرجل والمرأة) ظاهرة الانتماء الشديد للمكان ولمن هو أقرب.. حتى إنه إذا كان بالقرب من الشخص فريقان أو ناديان ذهب انتماؤه للأقرب في المسافة.
وإذا كان المنتخب الوطني هو الفريق الوحيد الذي لا يختلف عليه اثنان في أي بلد على تباين اتجاهاتهم السياسية وأديانهم وأصولهم العرقية، إلا أن الانتماء موزع بين أبناء البلد الواحد أو المدينة الواحدة بشكل هائل بين الأندية مع ميول كبيرة لصالح نادى الحي أو المدينة.
سكان كاتالونيا الإسبانية يوجهون خالص عشقهم لبرشلونة مع طائفة مع نادى إسبانيول، وفى العاصمة مدريد تتوزع الميول بين ريال مدريد وأتليتكو مدريد مع مجموعات في ضاحية خيتافي الجنوبية يشجعون نادى ضاحيتهم بشراسة.
وفى مانشستر الإنجليزية ينقسم السكان بين ناديي اليونايتد والسيتى أو الأحمر والأزرق كما هو تماما في ميلانو الإيطالية بين ناديي ميلان وانتر أو الأحمر والأزرق.
تلك الظاهرة التي ترتبط بفطرة الإنسان في التعاطف مع القريب ما كان لأحد أن يعتقد يوما أنها ستهتز بل وتهتز بعنف.
لقد تدخلت العولمة لتعصف بها.
العولمة لم تترك شاردة ولا واردة في عالم كرة القدم إلا وتدخلت لتقلبه رأسا على عقب.

برشلونة يفوز بكأس ملك إسبانيا.

وفى أخر الاحصاءات الواردة من الصين تبين وجود أكثر من مئتي مليون صيني (مجددا 200 مليون) من عشاق كرة القدم منتشرين في ربوع الدولة الشاسعة من مشجعي الأندية الأجنبية السبعة، وهي ليفربول ومانشستر سيتى ومانشستر يونايتد الإنجليزية، وبرشلونه وريال مدريد الإسبانيين، ويوفنتوس الإيطالي، وبايرن ميونيخ الألماني مع أغلبية تزيد عن النصف لصالح فريقي برشلونة والريال.
المثير للدهشة أن مجموع جماهير تلك الأندية السبعة في بلادها الأصلية لا يتجاوز نصف ذلك الرقم.
وفى مصر كان السؤال الثالث في التعارف بين أي شخصين بعد الاسم والعمل هو (أنت أهلاوى ولا زملكاوى).
وقدمت المطربة اللبنانية الراحلة صباح أغنيتها الشهيرة في الستينيات (أنت أهلاوى ولا زملكاوى)، ولكن الأعوام العشرين الأخيرة شهدت تحولا جذريا في الأمر.
قبل عام ونصف التقيت صديقا قديما في أحد المراكز التجارية في قطر ومعه طفله الذي لا يتجاوز العاشرة، وعندما سألته سؤالنا التقليدي كانت إجابته مفاجئة جدا، أنا بشجع ليفربول وبحب ميسي.
وكررت السؤال بطريقة أخرى، مع ليفربول وميسى، من تحب الأهلي أم الزمالك، فقال: لا أشاهدهما على الإطلاق.. وضحك الأب قائلا: ابني وكل زملائه لا يهتمون بالكرة والأندية المصرية ومتعلقون ومنقسمون بشأن الكرة الأوربية وأنديتها.

محمد صلاح نجم ليفربول الإنجليزي

الأمر لم يقتصر على الجماهير التي تعلمت عبر الشاشات أن الولاء يذهب إلى الأقوى أو الأفضل أو الأكثر فوزا أو نجوما، دون أي اعتبار للجار أو الحي أو المدينة، وبات طبيعيا أن تكون المدرجات في مدينة الإسكندرية حمراء أو بيضاء عندما يلعب الأهلى أو الزمالك القاهريان، أو أن يحظى الهلال بحفاوة ضخمة في أي ركن من أركان السعودية أو السودان حيث يحمل أكبر أندية الدولتين نفس الاسم.
ولدى برشلونة وريال مدريد حضور جيد في كل الملاعب الإسبانية أيضا، ولم يعد غريبا أن يعلن مواطن مدريدي بكل شجاعة عن تشجيع برشلونة والعكس في كاتالونيا.
بل امتدت العولمة لتغطي على دنيا اللاعبين، ولغة الأرقام لا تكذب ففي إنجلترا مهد كرة القدم تمتلك الأندية الخمسة الكبري (مانشستر يونايتد وليفربول وارسنال وتشيلسي ومانشستر سيتي) أكثر من 90 لاعبا محترفا من 33 دولة مختلفة من كل قارات العالم بينهم المصري محمد صلاح والجزائري رياض محرز ولاعبان أقل شهرة واشتراكا من المغرب والجزائر.
ولا يوجد بين مدربي الأندية الخمسة إلا انجليزي واحد ولا يوجد بين ملاك الأندية الخمسة إلا انجليزي واحد أيضا.
عولمة الجماهير واللاعبين والمدربين وأصحاب الأندية لم تكن هي الحدود النهائية، ولكن العولمة الإعلامية والمالية فاقت التصور، وبعد أن كان ممنوعا على أى ناد منح لاعبيه أموالا وإلا اعتبر مهزوما في بدايات اللعبة، وصار راتب الأرجنتيني ليونيل ميسي سنويا في ريال مدريد أعلى من مجموع رواتب مئات العاملين في مؤسسات حكومية وخاصة.
العولمة الإعلامية جعلت مباريات كرة القدم هي الحدث الأعلى في المشاهدات اليومية عبر الشاشات وهي الأوسع انتشارا أيضا في العالم، وقفزت اقتصاديات كرة القدم لتضارع تجارة السلاح والدواء والبترول والغذاء في أرقامها الضخمة، ويكفي أن تعلم أن مجموع أسعار لاعبي مانشستر سيتى الإنجليزي تتجاوز مليارا ومائة مليون يورو.
العولمة بطغيانها تجاوزت الخيط الرفيع الذي ظل فاصلا بينها وبين الانتماء.
ويبدو أنه لا يوجد من أو ما يوقفها!

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان