(الإشارب) و(المني جيب) شعاران سياسيان في تركيا

عبد القادر عبد اللي*

 
كنت أسير في أحد شوارع أنقرة مرتدياً معطفاً سميكاً وواضعاً قبعة على رأسي وألف رقبتي بلفة صوفية، واضطررت لخلع قفاز يدي اليمنى من أجل التحدث في الهاتف فشعرت خلال بضع دقائق بأن يدي الممسكة بالهاتف تكاد أن تتجمد، وكذلك هو حال أذني التي أسند إليها الهاتف. جاءني الكلام على الطرف الآخر من الخط: “أنت معي؟” يبدو أنني شردت قليلاً عن تساؤلات المتكلم. كان السبب هو فتاة ترتدي (مني جيب) وتحته لا يوجد سوى كولون رقيق وقد أثقلت الثياب من الأعلى كما أثقلت أنا. نعم، مشهد فتاة الميني جيب يمكن أن يكون مألوفاً في مكان مغلق ومكيّف، ولكن درجة الحرارة كانت إحدى عشرة تحت الصفر! هذا ما يثير الاستغراب، ولكن المشهد أيضاً مألوف في المدن التركية الكبرى مثل أنقرة واسطنبول وإزمير…
بعد قيام الجمهورية التركية صدر “قانون تنظيم اللباس” في 15/ 11/ 1925، ودخل الأدبيات السياسية التركية باسم “ثورة القبعة” التي اعتبرت إحدى الثورات الأتاتوركية. والقبعة رمز لنزع “الطربوش” التقليدي الذي يمثل المرحلة العثمانية، ووضع القبعة برمزيتها الحداثية المتماشية مع أوربا، وعلى صعيد المرأة فقد كانت المرتدية للطقم وسافرة الرأس رمزَ الالتزام بثورة “القبعة”، وحتى إن كثيراً منهن وضعن على رؤوسهن القبعات متشبهات بالمرأة الارستقراطية الغربية، وكنّ يُباهين بالقول: “نحن فتيات الجمهورية”.
لم يمنع القانون التركي ارتداء الحجاب صراحة، ولكن بعد إلغاء عبارة: “دين الدولة الإسلام” من الدستور التركي عام 1928، بدأ بتطبيق حظر غطاء الرأس في المؤسسات الرسمية التركية عملياً.
حدث تراخٍ في قضية حظر غطاء الرأس لطالبات الجامعات في تركيا تدريجياً، وانتشر الغطاء بين طالبات الجامعات في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات نتيجة التساهل مع التيار المحافظ في مواجهة اليسار المتنامي في تركيا. ولكن لم يتم التسامح بغطاء الرأس نهائياً في الوظائف الحكومية، إذ مُنعت الموظفة في المؤسسات الرسمية من وضع غطاء الرأس تحت أي ذريعة كانت حتى فترة قريبة، وفي الوقت نفسه تعرضت الفتيات المحجّبات في تلك الفترة  لمضايقات عديدة مثل نزع الحجاب بالقوة، ونزع المعطف وما شابه ذلك.
عاد حظر غطاء الرأس مرة أخرى إلى الجامعات عام 1982 بشكل صارم بموجب تعميم المجلس الأعلى للتعليم العالي، ولم يحظر الحجاب فقط، بل فرض على الفتاة ارتداء التنورة، وعلى الشباب ربطة العنق إلا إذا كان يرتدي كنزة ذات ياقة تلف الرقبة، وحلق اللحية حتى لو كانت صغيرة في أسفل الذقن، ولكن التعميم الذي دخل في تفاصيل كثيرة للباس الشباب والأساتذة لم يحدد طول التنورة للفتيات. وحُرم كثيرٌ من التركيات المحجبات من الدراسة بسبب هذا التعميم حتى قبل فترة قريبة.
مع إطلاق الدعوات للسماح بغطاء الرأس في الجامعات باعتبارها حرية فردية، وأن من حق الإنسان أن يرتدي ما يريد، ارتفعت أصوات مدعي العلمانية في حزب الشعب الجمهوري، واليسار الديمقراطي معارضة لهذا الإجراء بقوة ،قائلة إنها مع الحريات الفردية، ولكنها ضد الشعارات السياسية، واعتبرت الإشارب شعاراً، ورفضته باعتباره شعاراً سياسياً لقوى الإسلام السياسي التي يمنعها الدستور من ممارسة العمل السياسي المنظم بأشكاله كافة، أو عمل الدعاية له، أو استخدام رموزه وشعاراته ،لأنه تطبيق يتناقض مع مبادئ الجمهورية العلمانية.
كيف يكون الإشارب في مجتمع محافظ شعاراً سياسياً وأداة دعائية؟ وبالمناسبة فإن كثيراً من أمهات السياسيين الذين كانوا يروجون بأن الإشارب شعاراً سياسياً يغطين رؤوسهن، وتناقلت الصحف في تلك الأيام صوراً لهن محجبات. من جهة أخرى فإن أحزاب اليمين القومي واليمين الوسط كلها كانت مع السماح بوضع غطاء الرأس، وهذا اليمين بشقيه القومي والوسط لا يُصنف من ضمن تيارات الإسلام السياسي. وتركيا دولة إسلامية محافظة، وغالبية اللواتي كن يغطين رؤوسهن في هذا البلد لم يكنّ يعرفن من السياسة شيئاً خاصة الفلاحات البسيطات في القرى النائية.
يبدو أن كثرة تكرار العبارة تجعلها واقعاً، بقيت عبارة “الإشارب شعار سياسي” تترد في الصحف وعلى ألسن السياسيين الذين يعارضون السماح بغطاء الرأس في الجامعات حتى رسخت في العقل الباطن بأنه شعار.
في شهر شباط من عام 2008 توافق حزبا “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية” على تعديل دستوري يبيح الحجاب في الجامعات. وبعد توقيع رئيس الجمهورية عبد الله غول على التعديل، تقدم حزب الشعب الجمهوري وحزب اليسار الديمقراطي بدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا مطالبين إلغاء التعديل الدستوري. وقبلت المحكمة الدعوى، وقضت بإلغاء التعديل الدستوري، وأبقي الحجاب محظوراً. وبعد صراع في محكمة حقوق الإنسان الأوربية والمحاكم الوطنية، تم السماح بغطاء الرأس.
أصبح غطاء الرأس اليوم مألوفاً في تركيا، ولم تعد العيون تستغربه، كما لا تستغرب الميني جيب، ولكن السؤال المهم: هل هو شعار سياسي فعلاً؟ هل يمكن تحديد هوية المرأة السياسية من خلال غطاء رأسها؟
من الملاحظ أن اللواتي يرتدين المني جيب أو الشورت أو الشورت كيلوت جميعهن معارضات بشدة لحكومة العدالة والتنمية، وإذا كان من الممكن رصد بعض سافرات الرأس في صفوف العدالة والتنيمة، فإنه من شبه المستحيل أن تجد في صفوف هذا الحزب امرأة ترتدي المني جيب أو الشورت. وبنظرة عامة إلى المناطق التي يسيطر فيها حزب الشعب الجمهوري نجد هذه النوع من اللباس منتشراً بقوة.
في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كان لكل من اليسار واليمين التركيين أيضاً قصّة شوارب معينة، وألبسة معينة، وألوان محددة، وكان لباس الشباب وهندامهم دليلاً على انتمائهم السياسي، ولكن الأمر اليوم يكاد يكون غائماً لدى الرجال، فجميعهم يرتدون ألبسة معاصرة مثل الطقم وربطة العنق، ولا يمكن تمييز أحد عن الآخر من خلال لباسه. ولكن الأمر نفسه لا ينطبق على النساء.
نعم إن التيارات التي تدعي العلمانية هي التي كانت ضد غطاء الرأس باعتباره شعاراً سياسياً، وهي أول من أطلق عليه هذه التسمية، وإذا كان الحجاب ليس هوية سياسية للإسلام السياسي، فهو هوية للتيار المحافظ عموماً من قومي ويميني وسط إضافة إلى أحزاب الإسلام السياسي “العدالة والتنمية” و”السعادة”.
 وفي الوقت نفسه، وبموجب هذا القياس فإن الميني جيب شعار سياسي أيضاً، إذا لا بد أن تكون التي ترتديه معادية لتيار الإسلام السياسي… وهي ترتديه في جو تنخفض فيه درجة الحرارة إلى تحت الصفر من أجل إعلان موقفها السياسي أكثر من إغواء أحد ما

____________________

باحث سوري متخصص في الشؤون التركية

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان