أكراد على عظام الهواء

يعتقد بعض الناس، وربما أكون منهم، أنّ الكرد لم يحطوا على الأرض بعد. فهم لايزالون يحلقون بريش الرغبة والأحلام في سماوات الحكاية والأوهام.
![]() |
أحمد عمر*
يعتقد بعض الناس، وربما أكون منهم، أنّ الكرد لم يحطوا على الأرض بعد. فهم لايزالون يحلقون بريش الرغبة والأحلام في سماوات الحكاية والأغنية والأساطير والأوهام.
كان صديقي، وهو زعيم سياسي، ورئيس تحرير مجلة تصدر باللغتين العربية والكردية، ومعظم الأكراد زعماء سياسيون، ويمكن تكرار الطرفة ، التي تقول: بين كل ثلاثة كرد أربعة زعماء وخمسة شعراء.
اعذروني على هذا الاستطراد الضروري؛ فوجئت بلص مقالات، كان يسرق مقالات ياسين الحاج صالح، ويغيّر فيها كلمة واحدة فقط، واسم كاتبها طبعاً، و يصدّرها باسمه في صحف تصدر في إقليم كردستان بالعربية، مشاركا في منتدى سياسي في إسطنبول مع زعماء سوريين من أمثال ميشيل كيلو وجورج صبرا.. وكان يتحدث لإحدى الفضائيات عن القهر والسجون والمعتقلات، ولم يعتقل يوماً، بل إنه كان صديقاً للمخابرات، و كان يعمل بائعاً للأحذية مع احترامي للزعيم السياسي أبي القاسم الطنبوري، والزعيمة السياسية “آبله تهاني”.. انتهى الاستطراد الضروري الذي يقول أنّ الكردي إذا لم يكن زعيماً حقيقياً تعدّى على الزعامة. صديقي هذا- قبل بدء الاستطراد- كان يحلم بأربعين شابٍ كردي وسيم، مثقف، جذاب، أكثر من المتحدث العسكري محمد علي، مدججين باللغات الحية وآداب اللياقة، وحسن المراسيم، يوفدون إلى عواصم الدول العظمى لنصرة القضية الكردية، وسرقة قلوب العواصم الأوربية الشقراء، التي ترتدي الشورت القصير. فقلت له: هذه هي قصة علي بابا والأربعين سياسي يا مولانا! الدول لا تبنى بالسرقات و.. الجاذبية.
لكن ها هي الفضائيات تنتشر مثل نبات الفطر، و بذور البراميل، و”توفد” سياسيين ومثقفين من غير سفرٍ وتذاكرٍ وطائراتٍ، وليس كل الفضائيات جديرة بالمتابعة، فأغلبها دكاكين تبيع بالدين والأجر على الله، وبعضها بسطات سريحة، وأصحابها تجار شنطة. على سبيل المثال كنت أقلب ظهر المجن وصفحات الفضائيات مثل ورق الكوتشينة، فتعثرت بشخص يصافح سطراً من الجنود الكرد المرابطين في الخنادق، فسألني زميلي غير الكردي: هل هذا زعيم كردي سياسي؟
أعجبت بالسؤال ورميت عصا الترحال (الريموت كونترول) السحرية من يدي، وقلت، وأنا أكاد ألطم وجهي: بل هذا مذيع في إحدى الفضائيات الكردية المبثوثة من أوربا. فضحك حتى بدت نواجذه وأضراس عقله و .. قرون جنونه، وكاد أن يفحص بقدميه الأرض، لولا أننا في الطابق الثاني، وخشي الرحمن بالغيب، وأن يضايق الجيران بفحص قدميه و.. امتحانهما.
المذيع شكله ينتسب إلى الهيبيين، فشعره طويل مثل ضفائر مقاتلي داعش رضي الله عنهم وأرضاهم، و ينسدل على كتفيه، وله لحية، وتتهدل على صدره قلادات النظارات (ثلاث نظارات ليعاين بهما عورة العالم)، وله نظرة وعيد وتهديد ثابتة راسخة، تتوعد الهواء والشجر والحجر. وكان الجند الكرد يؤدون له، عند كل مصافحة باليد المتشنجة الصلبة: التحية العسكرية!
لكن الحال، كردياً، ليس أفضل في الفضائيات العالمية مثل الجزيرة، فأنا اعتبر فضائية العربية التي تؤمن بركن واحد من أركان الإسلام، وهو الحج؛ فضائية أعجمية. أمس ظهر ضيف كردي على فضائية الجزيرة، مؤدباً، شبه مقيد، في وضعية تشبه وضعية القيام في الصلاة، ولبث مكتفاّ بمواثيق وأمراس كتان إلى صم جندل، طوال البرنامج، كما كان معلمونا يأمروننا أيام الدراسة الابتدائية! ربما كان معهم حق، فالتلميذ له أذرع كثيرة مثل الأخطبوط، الضيف متحدث ومثقف، ويعرف تاريخ الحركات الكردية، ويعتقد أن الكرد هم أصل الكون وجرثومته، ويتابع وقائع السياسية الدولية، لكنه وهو يبدأ البرنامج صرخ في مدير البرنامج الذي قدمه للمشاهدين: “يا أخي لم تقاطعني.. أنت تقاطعني.. لا تقاطعني ” فاضطر مدير البرنامج إلى أن يوضح له أنه يقدمه إلى المشاهدين، ولم يطرح سؤاله بعد! ثم ما لبث الضيف مرةً ثانيةً، أن احتج على المقاطعة، فاضطر مدير الحصة (تعبير تونسي، وعربي فصيح لكلمة البرنامج الفارسية) قائلاً أنّ البرنامج ليس محاضرة جامعية، وإنما هو حوار، وأخذ وعطا، وكرٌّ وفرٌّ، وأكسدة وإرجاع، وحسن ومرقص، وشيركو وبطيحان… ثم أنّ معه ضيفين آخرين .. الضيف الكردي استمر مكتفاً، ولا أعرف إن كان لا يزال مكتفا ومشوياً أم أنه فكّ الوثاق.
قبلها بأيام على الجزيرة أيضاً ظهر كردي باسل غاضب، الزبد يتطاير من فمه، ممثلاً للنظام السوري و “المنتدى الاجتماعي” وأعضاؤه ثلاثة لا أكثر، فأرغى وأزبد، وذكر اسمه على الفضائية بضمير الغائب، وذلك نوع من التمجيد، ثم قصف الجزيرة وقطر وأهل الخليج “العربان”، ومرَّ الوصف على مدير البرنامج من غير أن ينتبه، أو انه أغضى. ويبدو أنه لم يشتفِ، فقد جاء محارباً لا محاورا ، وهو يدافع عن النظام السوري، فصرخ هذا المرة شاتماً مدير البرنامج، الذي كان يسأله بلطف وكياسة، وأظنُّ وأعتقد، وقد أكون مخطئاً، أنّ الجزيرة هي أكثر القنوات ديمقراطية، عربياً: فقال له: إن أسيادك العربان هم كذا وكذا .. فاعتذر مدير البرنامج عن خروج الضيف عن آداب اللياقة بلطف، وذكر أنه انسحب، والحق أن مدير البرنامج هو الذي قطع الحبل به فسقط الرجل في البئر، غير مأسوف عليه .
قبل سنوات أيضاً استضافت الجزيرة ضيفاً كردياً في حصة ” الاتجاه المعاكس” ضد متحدث تركي حول إحدى قضايا الساعة، وكان الضيف الكردي يصرُّ في كل ضيافة، وهو يتكلم من شبه الجزيرة العربية، أن يذكر اسم بلدته في بطاقة التعريف، حتى يتباهى أمام أهل قريته وخالته -واسمها عمشة. ذكر خصمه التركي أنّ الزعيم الكردي الفلاني يشيع بين أنصاره أفلاماً جنسية ويحضّهم على التواصل الجنسي الحر، فغضب الكردي غضبة غير مضرية، ونهض، وهدده بقلع عينيه. الضيف التركي، الذي كان هادئاً وبطيئاّ، ويجدُ صعوبة في الحديث بالعربية، لم يرتعب أو يخف، تابع قائلاً: إنّ الفيديوهات معه، ويعرفها الناس، وهو يستطيع أن يؤكد دعواه. وكان يمكن لخصمه الكردي أن يقول إنّ حزبه أو زعيمه تقدمي ويساري، وهو حزب يشجع الحب الشرعي بين أنصاره على سنة ماركس ولينين أو جيفارا وكاسترو، لكنه فضّل قلع العيون. هذه ثلاثة أنماط موفدة من كردستان إلى العالم، وليسوا من الأربعين ديبلوماسي.
يقول “نورمان فنسنت بيل:” أننا نفضّل على أن يدمّرنا المديح على أن ينقذنا النقد”.
نورمان فنسنت بيل ليس كردي الأصل. وكوباني معناها “كومبوني” أي شركة، والحدق يفهم.
_________________
كاتب سوري مقيم في ألمانيا
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
