الحملة الجديدة على الإسلام.. كيف نواجهها؟

لم يشهد العالم اضطهاداً مثل الذي تعرض له المسلمون، ولم يحدث أن وقع ظلم بأمة مثل ما وقع على الأمة الإسلامية منذ الحروب الصليبية وحتى اليوم. وبرغم ذلك فإن الإعلام الغربي قد نجح في قلب الصورة.
![]() |
*د. طارق الزمر
لم يشهد العالم اضطهاداً مثل الذي تعرض له المسلمون، ولم يحدث أن وقع ظلم بأمة مثل ما وقع على الأمة الإسلامية منذ الحروب الصليبية وحتى اليوم.
وبرغم ذلك فإن الإعلام الغربي قد نجح في قلب الصورة، وتم تصوير المسلمين على أنهم وحوش كاسرة!! وأن أمتهم أمة بربرية لا يمكن التعامل معها إلا بالحديد والنار، وأن دينهم هو مصدر الإرهاب في العالم!! فلماذا هذا التجني؟! وكيف نجحوا في أن يقلبوا صورة أمتنا ناصعة البياض ويشوهوها؟.
لاشك أن الأمة الإسلامية قد استطاعت في فترة وجيزة أن تغير حركة التاريخ وأن تصبح القوة الأولى في العالم. ولا شك أنها قد تربعت على عرش العالم بعد أن تزلزلت عروش الفرس والروم أمام زحف إيمانها وتفوق عقيدتها. ولا شك أن الأمة قد تربعت على هذا العرش لقرون طويلة تهدي وتعلم وتصدر قيم الحق والكرامة الإنسانية.
هذه المكانة هي التي جعلت الحقد والحسد يتمكن من قلوب أعدائها، فبدأ التخطيط مبكراً لإزاحة هذه الأمة عن تلك المكانة التي تبوأتها بدينها وإيمانها، وبامتلاكها لقواعد سلوك أمة الهداية وبتعاملها مع البشرية من منطلق الريادة لا الوصاية أو الهيمنة، وبحدبها على الإنسان وحرصها على الإنسانية.
لهذا فقد ارتكز ذلك التخطيط على ضرب قواعد الدين، وهدم قواعد الإيمان الراسخة ثم الانتقال إلى أسس تحكم الدين والإيمان في مناحي حياة الأمة باستبعاد الشريعة، ثم ضرب أسباب تفوق المسلمين العلمي والعملي للحفاظ على تبعيتهم ومن ثم ترسيخ تخلفهم.
وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم لماذا نشهد اليوم هجوماً متواصلاً على الإسلام وأحكامه وكل قيمه ورموزه وخاصة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. إنه ليس هجوماً عابراً، إنما يعبر عن مرحلة جديدة من مراحل تشويه الإسلام وتبشيع صورته، وإن تميزت هذه المرة بالكثافة والوقاحة، استغلالاً لأخطاء بعض الشباب المتحمس المنتسب لهذا الرسول الكريم، وتزعم الولايات المتحدة الأمريكية – القوة الأولى في العالم وأكبر قوة عسكرية في تاريخه- للحرب على الإسلام تحت شعار مكافحة الإرهاب والتطرف.
كما أن الهجوم على الرسول اليوم، يأتي في إطار خطة شاملة لحصار ا?سلام وتفكيك عناصر فاعليته، خوفاً من إمكانيات انتشاره الهائلة، في عصر اهتزت فيه كل العقائد، وانهارت كل القيم، كما أنه يهدف إلى رسم صورة عدوانية للمسلمين في العالم، والترويج إلى أنهم دعاة إرهاب، لتبرير الحرب المعلنة عليهم، في كثير من مناطق العالم.
والواجب تجاه هذا الهجوم السافر، والحملات المتواصلة أن نسعى لامتلاك تصور دفاعي من خلال ما يمكن أن نسميه بالتخطيط السياسي لدور الإسلام في العالم، وهو تصور يعتمد _ فيما يعتمد _ على إدارة معركة إعلامية دفاعية واسعة النطاق تستند إلى الآتي:
أولاً: توضيح حجم الجناية التي ارتكبت وترتكب بحق الإسلام والمسلمين، وأن المسلمين ليسوا في موضع اتهام، ولا ينبغي لهم أن يقفوا في هذا الموقع، لأنهم في الحقيقة مجني عليهم فعدوان الحروب الصليبية لا يزال شاهداً على عدوانية غير محدودة وتعطش للدماء غير مسبوق، وهجمات حقبة الكشوف الجغرافية على العالم الإسلامي لا تزال تنبئ عن أطماع كبيرة وحقد أعمى، وهمجية الحملات الاستعمارية والتي تم تبريرها بأنه يستحيل على الله أن يودع في الأجساد الملونة أرواحاً طاهرة كأرواح البيض، إنما تدل على حضارة عنصرية تحمل قدراً كبيراً من التوحش في التعامل مع البشر، وليس أدل على ذلك من استرقاق الملايين من الأفارقة بعد اصطيادهم كالحيوانات!!، وإبادة الهنود الحمر بعد الاستيلاء على بلادهم!!. كما أن الإصرار على السيطرة على موارد العالم وإفقار شعوبه، لا يزال هو نهج الغرب المنظم في التعامل مع العالم الثالث وخاصة العالم الإسلامي، وهو ما تشهد به حقبة صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، والتي تزايدت شراستها في نزح ثروات العالم بعد تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1995م. كما لا تزال دماء المسلمين التي تنزف في الكثير من بقاع العالم ا?سلامي، تشهد على عدوان غربي لا نظير له، كما أن انحيازهم ضد كل قضايا شعوبنا يؤكد ذات النتيجة، كما نرى في: فلسطين والعراق ولبنان وسوريا والسودان والصومال والشيشان وكشمير والفلبين والبلقان وغيرها. كما أن انحيازهم ضد نتائج الانتخابات الحرة في فلسطين والجزائر وأخيرا مصر يؤكد أنهم يستكثرون عليها أن نختار من يحكمنا. كما جاء دعمهم للثورات المضادة لثورات شعوبنا ليؤكد أنهم لا يروننا بشرا لهم حق الثورة على الديكتاتوريات الفاسدة، أو أننا ككل الشعوب لنا الحق في اختيار من يحكمنا.
ثانيا: طرح واسع النطاق لرؤية الشريعة والفقه الإسلامي، الذي أسس لنظرية متكاملة للتعايش مع الآخر، في وقت لم يكن قد عرف العالم غير الصراع والحروب كأداة وحيدة للعلاقات بين الدول والحضارات : فالإغريق لم يعرفوا حقوقاً لغير اليونانيين، واعتبروا أن غيرهم عبيد لهم. واليهود استباحوا كل من عداهم، وقالوا (ليس علينا في الأميين سبيل). والهنود اعتبروا كل من عداهم أنجاس وخدم لهم. والصليبيون رأوا الآخرين برابرة لا يخضعون لأية قواعد قانونية أو أخلاقية. كما جاء علم العلاقات الدولية الذي تأسس على مفاهيم الدولة القومية الحديثة ليعتبر أن كل أجنبي هو عدو ما لم تقتضي مصلحة المجتمع مهادنته!! لهذا لم تعدم البشرية في ظلها حربين عالميتين أُبيد فيهما أكثر من 60 مليوناً من البشر!!
فأين كل هذا مما جاء به الإسلام بشأن التعامل مع المخالف في العقيدة سواء كان داخل المجتمع الإسلامي أم خارجه: ففي داخل المجتمع الإسلامي تعد القواعد التي أرستها الشريعة الإسلامية للتعامل مع غير المسلمين هي أول قواعد عرفها العالم، تقر بوجود المخالف لعقيدة الدولة وتحمى حقوقه، وفي التعامل الخارجي، أسست الشريعة الإسلامية لأول قواعد قانون دولي عرفها العالم، فيما أطلق عليه الفقهاء “علم السِّيَر”.
ثالثاً: لابد من التأكيد على أن كثيرا من مواقع الاحتكاك وجبهات القتال التي فتحت في عصرنا الحديث بين الأمة وبين مخالفيها في العقيدة، إنما تمثل دفاعاً مشروعاً، ولو بالاستناد للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وأن الزعم بأن هذه الصراعات هي دليل على عدوانية المسلمين هو تضليل واضح يقوم به المستشرقون الجدد ليثبتوا أن العنف والصدام من خصائص الإسلام، وطبيعة تصوره للعلاقة مع الآخر!!
وهو ما يفرض على حركات المقاومة الإسلامية أن تتحرى التزام أحكام الشريعة في مقاومتها للعدوان، فإن ذلك مما يحفظ شرعية المقاومة، ويدحض افتراءات المستشرقين، ويُكسب المزيد من احترام وتعاطف الرأي العام العالمي، فالمقاومة الإسلامية يجب أن تدرك أن الحملات السياسية والعسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد العالم الإسلامي تقوم بها نخب ثقافية ودينية وسياسية حليفة للصهيونية العالمية، ولا تعبر بالضرورة عن رضى وتطلعات شعوبها، وهو ما يستدعي أن يعتمد منطق التعامل مع هذه الحملات على الفصل بين هذه النخب وبين شعوبها، وليس أدل على ضرورة ذلك، من المعارضة الشعبية الأمريكية والأوروبية الواسعة تجاه الحملة العسكرية على العراق 2003 أو استطلاعات الرأي العام في أوروبا التي تكشف عن تعاطف كبير مع القضية الفلسطينية – قضية المسلمين الأولى – كما أن التعويل على هذا المنطق في إعادة الحكومات الغربية المعادية إلى رشدها له ما يبرره، في ضوء طبيعة المجتمعات والنظم الغربية.
وفي هذا الإطار يصبح من غير المقبول أن نتوجه بالقنابل أو الرصاص لمجتمعات تقول لحكوماتها كفى عدوانا على شعوبنا، ويصبح من غير المعقول أن تُلقى المتفجرات – دون تمييز – على شعوب تعتبر أن إسرائيل هي المهدد الرئيسي للاستقرار والسلام في المنطقة والعالم!!
رابعا: تبنى الدعوة لحوار الحضارات، وذلك في إطار الدفاع عن الإسلام وشريعته ودعوته العالمية، وتوضيح الموقف الإسلامي من كل قضايا الاحتكاك وموضوعات الساعة، والتأكيد على مدى خطورة استمرار السياسات الغربية المعادية للعالم الإسلامي ولحرية شعوبه وحقها في اختيار من يحكمها، والتأكيد على أن هذه السياسات هي السبب الحقيقي لحالة العداء المتصاعد بين الإسلام والغرب. كما يجب تقريب فكرة الإسلام في التعايش مع الآخر للذهنية الغربية، التي لا تزال أسيرة للشحن الصهيوني، المستفيد الأول من تأجيج الصراع بين الإسلام والغرب على مدى القرن الماضي.
وأخيراً: لابد من فتح الباب واسعاً أمام ممارسة أوسع عملية نقد ذاتي شهدتها الأمة على طول تاريخها، وذلك على مستوى المؤسسات ا?سلامية والشعوب وكل الحركات الداعية لنهضة الأمة-إسلامية كانت أم وطنية– فلاشك أن الخلل كبير، والخطب خطير، وهو ما لا يمكن نسبته – فحسب إلى مؤامرات الأعداء ومخططاتهم، لأنهم – في الحقيقة – لم يظفروا منا إلا بالقدر الذي سمحنا، ولم يعلوا علينا إلا بقدر تنازلنا عن مكانتنا، ولم يتقدموا في بلادنا إلا بمقدار تراجعنا أمام زحفهم : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) ( آل عمران 155)0 ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ( 165 آل عمران ) 0
والبداية الصحيحة في طريق النصر الطويل تكون بإعادة ترميم مجتمعاتنا وإزالة كل أسباب النزاع والصراع الداخلي، وإعادة ترتيب الأولويات مع تعظيم أولوية الحرية، وإنهاء عصور الاستبداد، وبناء نظم سياسية تعبر عن طموحات شعوبنا وتطلعها إلى الحياة الكريمة : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )( الرعد11)
_____________
*رئيس حزب البناء والتنمية المصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
