جمهورية تركيا العربية

على الرغم من أن المثل العربي يقول: “الفرصة لا تسنح مرتين”، ومقابله التركي يقول: “الفرصة لا تسنح مرات” فإن الفرصة سنحت لتركيا أكثر من مرة.
![]() |
عبد القادر عبد اللي*
على الرغم من أن المثل العربي يقول: “الفرصة لا تسنح مرتين”، ومقابله التركي يقول: “الفرصة لا تسنح مرات” فإن الفرصة سنحت لتركيا أكثر من مرة لتبتعد عن العالم العربي بعد عشرة قرون من التاريخ المشترك بدءاً من الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر حتى مطلع القرن العشرين، وقد استغلت تلك الفرص كلها.
أولى هذه الفرص كانت تأسيس الجمهورية على أنقاض الدولة العثمانية عندما أوشكت هذه الدولة على الانهيار والزوال. تأسست الجمهورية باعتبارها دولة حزب واحد، وقائد واحد، وانتخابات يدلى فيها بصوت واحد على طريقة الديكتاتوريات العالمية حينئذ، ولم يكن لقائدهم ولد يرثه، ولعله آمن بالتجربة الإنسانية المتجلية في الأمثال الشعبية والتي يتبناها الشعبين التركي والعربي، والتي تقول: “ابن النجيب لا ينجب”، ولكن العبقريات العربية تبنت الثقافة الكورية الشمالية، ومثلما تصدر مراسيم تقرر كل شيء بدءاً من حالة الطقس في النشرة الجوية وصولاً إلى قواعد النحو، فهي تصدر مراسيم بتغيير الموروث الشعبي أيضاً، وقررت أن ابن النجيب هو أنجب الكل، وسيكون القائد الملهم، والذي ينتخبه الشعب بنسبة تقرر بمرسوم يصدره ابن النجيب نفسه.
والفرصة الثانية كانت سنة 1945 عندما قررت تركيا التحول إلى نظام تعددي، ولكن هذا النظام بقي شكلياً حتى عام 1950، ثم بدأ بالتحول نحو الديمقراطية والمعايير الغربية فعلياً، وإذا كان هذا التحول قد تعثر بانقلاب عسكري أو أزمة ما، وتباطأ أحياناً، ولكنه بطريقة ما كمّل المشوار وأصبحت تركيا عضواً في المؤسسات الأوربية كلها ومنها محكمة حقوق الإنسان، وهي ملتزمة بقرارات هذه المحكمة. وهكذا كان مشوار تركيا في الاتجاه العكسي لمشوار التقدم العربي العظيم الذي انتقل من التعددية السياسية إلى نظام الحزب الواحد، والصوت الواحد، وحتى اللباس الواحد، وزاد على ذلك الوريث الواحد.
هذا الوضع أغاظ النخبة السياسية والثقافية العربية على ما يبدو، فوضعت هذه النخبة تركيا في نقطة الهدف. أصبحت تركيا بالنسبة للنخبة العربية تدخل تصنيفات الدول العربية بين تقدمي ورجعي ومتطور ومتخلف… وهكذا أصبحت تصنف رجعية ونحن تقدميون هي متخلفة ونحن متطورون، هي بشعة ونحن جميلون، فكل ما لدينا ليس لديهم منه، وأهم ما في الأمر القادة الملهمون، وورثتهم الأكثر إلهاماً.
حافظت النخبة السياسية العربية على نهجها من تركيا بالقفز دائماً إلى الطرف النقيض، ففي فترة سطوة المؤسسة العسكرية وبقايا الحزب الواحد في تركيا كانت هذه النخبة غاضبة جداً من هذا البلد لأنه غير مهتم لقضايا الأمة العربية، وخاصة قضيتها المركزية فلسطين، وكانت تكتفي بالشجب مثلها مثل أوربا. سيقول قائل ماذا فعل العرب غير الشجب؟ ويح هذا القائل، لقد كان الشجب العربي أشد وأعنف ويزلزل الأرض.
مع تحديد تركيا خياراتها السياسية بالتوجه غرباً، كانت النخبة العربية أشد انتقاداً لهذا التوجه من المتطرفين القوميين الغربيين. فأولئك قبلوا بشراكة خاصة مع تركيا، ولكن النخبة العربية رفضت هكذا شراكة رفضاً قاطعاً، واعتبرت أنه لا يجوز لتركيا “المسلمة” أن تكون جزءاً من أوربا.
بعد الربيع العربي، ظهرت مصطلحات حديثة ودخلت عالم السياسية، ولا أدري إن كانت المصادفة وحدها من أوجد كلمة “منحبكجي” مع اندلاع الاحتجاجات في سورية، وهي كلمة مؤلفة من الشعار الديكتاتوري المعمم بالبسطار العسكري وباللهجة الشامية: “منحبك” مع مقطع “جي” من اللغة التركية الذي إذا أضيف إلى بعض الكلمات فتفيد معنى المهنة، وكلمة “منحبكجي” تعني: “محترف الحب”، ومعناها اصطلاحياً: “المؤيد على عماها على طريقة القطيع”. وإذا كانت قد أطلقت هذه الكلمة بداية على الموالين للنظام السوري، ولكنها سرعان ما توسعت، ودخلت المعارضة، وبعد طرد قسم كبير من الشعب السوري من دياره ليحل محله المجاهدون المستعجلون قيام القيامة من أجل أن ينزل المهدي والمسيح في حرستا الشام أو دابق حلب، وخرج هذا المصطلح خارج الحدود، وصار لأردوغان منحبكجية، وطبعاً وجود منحبكجية لطرف معين يفرض بالضرورة وجود منحبكجية لطرف آخر. ولكن الغريب أن هؤلاء كلهم من العرب فقط أي يمكن القول إن النخبة المنحبكجية العربية انقسمت بين معارض وموالٍ، وأصبح كل احتجاج يعتبره منحبكجية أردوغان العرب مؤامرة على النظام المؤمن الذي يحكم في تركيا، وبالمقابل يعلنه منحبكجية الطرف الآخر ثورة ضد النظام القمعي الديكتاتوري، ويتنبأ بأن الشعب التركي سينتصر، ويحظى بالديمقراطية! وكأنه ليس ثمة صندوق انتخابات وبرلمان وصحف تشتم الحكومة ليل نهار بأقذع العبارات في تركيا، بل هي عربية تسبح بحمد الحاكم بأمر الله من النهار إلى النهار.
لا يختلف اليوم التناول للواقع التركي عما كان سابقاً، ولكنه تطور مع الزمن. وهو يُقسم إلى قسمين هما تناول المنحبكجية المؤيدين للحكومة التركية، والمنحبكجية المعارضين لها.
منحبكجية الحكومة: مثلما يمتدح كتاب السلاطين الطغاة يمتدح هؤلاء الحكومة التركية، فلسان حالهم يردد بيت النابغة الذبياني: “فإنك شمس والملوك كواكب/ إذا طلعت لم يبدُ منهنّ كوكبُ”، وكما في سورية عندما يردد الناس إنجازات الحركة التصحيحية يُدخلون في هذه الإنجازات كل ما في الحضارة من سد مأرب إلى غزو الفضاء، فهؤلاء يسمونها “الحركة الأردوغانية حفظها الله”، ولعل هذا المثال يكفي:
قرأت ذات مرة مقالاً في جريدة يُقال إنها محترمة يتحدث عن إنجازات على طريقة الإنجازات التي يقدمها القائد العربي الملهم منها رفع قيمة الليرة التركية أضعافاً أمام الدولار، وتحويل تركيا من دولة مَدِنية إلى دولة دائنة وغير ذلك. فاتصلت بالكاتب، وقلت له يا عزيزي، بالأرقام كان الدولار مقابل الليرة التركية عام 2003 يساوي ليرة وعشرة قروش، واليوم ليرتين وعشرين قرشاً (هكذا كان السعر)، وهكذا فإن الليرة التركية خسرت نصف قيمتها في 11 سنة، وقد كانت تخسر هذه القيمة خلال سنة أو سنتين من قبل، وهي أوقفت نمو الدين العام، وبدأ الرقم بالتراجع قليلاً مبيناً بالأرقام، وهذا إنجاز ليس قليلاً في المعايير الديمقراطية ويقول المثل: “من مدحك بما ليس فيك فقد ذمك”، فكان رده: أخذتها من المصدر الفلاني… لا يخفى أنه مصدر عربي منحبكجي واعتاد على تدبيج المدائح للطاغية.
المنحبكجية المعارضون: هؤلاء أيضاً نسخة عن مذيعي الأخبار الرسمية في الدكتاتوريات العربية عندما يتناولون المعارضين، فهم يعتبرون هذه الحكومة متآمرة على الإنسانية، وظالمة، وتسجن الصحفيين، وتقمع الحريات، وتموّت الناس جوعاً وبرداً فيها، حتى إن بركان ميرابي في أندونسيا تفجر بسبب هذه الحكومة، والأهم من هذا أن هذه الحكومة الظالمة ستمنع الفتيات من لبس الشورت والخروج على الموضة…
تعليق: نعم، هناك جمهورية تركية في تصور النخبة العربية وفي الإعلام العربي ووسائل التواصل الاجتماعي العربي، ولكنها لا تشبه الجمهورية التركية لا من بعيد ولا من قريب، بل هي جمهورية افتراضية اسمها: “جمهورية تركيا العربية.
________________________
*باحث سوري متخصص في الشؤون التركية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
