سنحاربكم.. وهذا يكفي!

كانت هذه أول مرة في حياتي أقابل فيها علاء الأسواني، ولا أعرفه شخصيا، ولا يعرفني، ولا يمثلني فكريا، ولا أيدولوجيا،وأختلف معه في كثير من أفكاره ولكنه كان صوتا للحق وللحرية في ذلك الموقف.
![]() |
د. أحمد غانم
ليلة موقعة الجمل وأثناء مشاهدتي لخطاب مبارك العاطفي على الشاشة في ميدان التحرير اتصل بي مراسل إحدى الوكالات الغربية الذي تعرفت عليه في التحرير طالبا منى أن أساعده في ترجمة ردود فعل معتصمي التحرير على خطاب مبارك.
وما أن أنهى مبارك خطابه حتى ظهر لي جليا من خلال ترجمتى للمراسل حجم الانقسام بين الثوار ما بين فريق ينادي بفض الاعتصام تصديقا لوعد مبارك بعدم ترشحه مرة أخرى وبين فريق ينادي بالبقاء مهما كلف الأمر..
ظل ذلك المراسل الأجنبي لمدة ساعتين يسأل المعتصمين عن رأيهم، وكان الانقسام بين بقاء الاعتصام وفضه واضحا في إجابات المعتصمين على الأسئلة بنسبة 50% في تقديري. ولم تكن هناك قيادة واحدة في الميدان يمكنها أن تخرج بموقف موحد بل كان لكل مجموعة صغيرة رأيها مما يعني أن مسار استمرار الاعتصام كان في خطر كبير.
لم أكن أعرف ماذا يمكن أن أفعل لإقناع الناس بالاستمرار وليس لي سلطان مادي أو فكري على أحد، حتى رأيت الكاتب علاء الأسواني وهو يجول من منصة لمنصة فيعطونه الكلمة نظرا لشهرته فيدعو الناس لعدم تصديق مبارك وللاستمرار في الاعتصام. ورأيت وقتها أن الشيء الوحيد الذي يمكن ان أفعله هو أن أجمع أصدقائي وأتبع علاء الأسواني من منصة لمنصة لدعمه ولإظهار أن هناك رأيا عاما يتكون في الميدان بالبقاء من خلال حجم الأعداد التي تؤيد رأي مشاهير دعاة البقاء مثل علاء الأسواني.
كانت هذه أول مرة في حياتي أقابل فيها علاء الاسواني ولا أعرفه شخصيا، ولا يعرفني، ولا يمثلني فكريا، ولا أيدولوجيا، وأختلف معه في كثير من أفكاره ولكنه كان صوتا للحق وللحرية في ذلك الموقف، ولهذا دعمته ولو بالوقوف لسماع خطابه 4 أو 5 مرات متتالية مكررة.
بالتأكيد لم تغير وقفتي لسماع خطاب علاء الأسواني المكرر أي شيء في مجريات الأحداث. وبالتأكيد لم يكن وقوفي لسماعه سبباً مؤثرا في عدم فض الاعتصام. وربما كان وقوفي مثل عدمه في تلك الليلة. هذا إذا كنت تقيس الأمور في عالم تأثيرك على مجريات الأحداث فقط!
ولكن يا صديقي هناك عالم آخر أهم بكثير من عالم الأمر الواقع والحسابات السياسية والمادية الضيقة، والنصر في هذا العالم لا تنتظره من الخارج ولا تتحكم فيه الظروف بل تصنعه أنت بمواقفك وبإرادتك.
هذا العالم هو: نفسك أنت. والنصر فيه يحدث في ثانية واحدة: عندما تقرر أن تقف مع ما تراه حقا بغض النظر عن توفر قوة مادية تنصره على أرض الواقع. وبغض النظر عن كون الحق ضعيفا لا قوة له بالمقاييس المادية وأنه ربما ينهزم طبقا لحسابات الواقع. كل ذلك لا يهم. ففي كلتا الحالتين ستكون قد انتصرت. لأن الانتصار الأخلاقي للمبادئ داخل نفسك أهم وأعظم عند الله من الانتصار المادي للقوة على أرض الواقع
فانتصار القوة المادية على مدار التاريخ يتحقق أحيانا للحق وأحيانا للباطل، بينما انتصار المبادئ والأخلاق هو حكر على الحق وأهله سواء في قوتهم أوفي ضعفهم!.
“حاربناكم وهذا يكفي”: قالها عمر المختار لجلاده الذي سخر من هزيمته العسكرية على الأرض ليعلن البطل الشهيد أن النصر الأهم هو الوقوف مع الحق في وجه الباطل وهذا “يكفي”.
انتصر للمبادئ داخل نفسك وقف مع الحق ولو كنت وحدك بغض النظر عن تأثير وقوفك مع الحق على النتائج وبغض النظر عن حسابات أو نتيجة المعركة المادية
معركتك هي نفسك ..هي معركة الانتصار لمبادئك، و في معركة المبادئ لا يوجد مكان للحسابات المادية.
فابتسم ابتسامة المنتصر وشمر عن ساعديك وقل للباطل المنتفش في قوته المادية في عملك أو شارعك أو وطنك أو عالمك: “سأحاربكم. وهذا يكفي”.
_______________________
*كاتب مصري مقيم في نيويورك
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
