عودوا لمقاعدكم .. وقد عادوا

الثورات أو الإنتخابات هى من تصنع التغيير في الأمم ، فإذا عجزت الآليات الديمقراطية وعلي رأسها الانتخابات يصبح أمر الثورة حتمى، فإذا كانت ثورة يناير تعيش نزلة برد حادة فإنها قادرة على التعافي بالمناعات الذاتية

أحمد قناوي*

 الثورات أو الإنتخابات هى من تصنع التغيير في الأمم ، فإذا عجزت الآليات الديمقراطية وعلي رأسها الانتخابات يصبح أمر الثورة حتمى ، فإذا كانت ثورة يناير تعيش نزلة برد حادة فإنها قادرة على التعافي بالمناعات الذاتية التى تمثل الحلم الكامن لجيل الشباب ، أو بالدوافع التى  تخلقها ذات السلطة حين تحول الانتخابات الى مسرحية يكون معروفاً سلفاً نهايتها وأبطالها وقواعد الحوار وسكنات تصفيق الجمهور حتى الوان الستائر والمقاعد وتذاكر الدعوة .

في كل الصور التي تتبدي من الشاشات ، وكل العبارات ، التي تسمعها في الإذاعات ، والكلمات المكتوبة في مواقعهم وجرائدهم ، وفي كل الصفحات ، لا شيء واضح ، إلا كل ما هو فاضح ، إنهم يعملون جميعاً ، بلا هوادة ..لاستعادة .. الدولة التي خرج عليها المصريون في 25 يناير 2011 ، دولة مبارك ، ليست فقط بسياساتها ، بل بشخوصها ، بل وبالأسوأ في شخوصها .

لم تكن دولة مبارك محصورة في الرجل وأولاده ، أو فتحي سرور وصفوت الشريف ، وحبيب العادلي ..لا ،  دولة مبارك هي كل الذين ظهروا فيها علي خشبة المسرح طوال 30 عاماً من حكم الرجل ، يمثلون أدوارهم القميئة ، هي كل من تربحوا ولمعوا ، في  الاقتصاد والسياسة ، في الحكومة و المعارضة ، وحتي أكون منصفاً ، فإني أخص منها تلك التي كانت تمثل دور المعارضة ، لا تلك التي دفعت الثمن خلف القضبان .

حين يتصدر المشهد ذلك الجنزوري العجوز ، في دولة ثلثاها من الشباب ، فإنهم ـ السيسي ورجاله ـ مؤكد يعملون ضد 25 يناير التي صاغتها أنامل الصغار ، وخرجوا فيها ضد الرجل العجوز ، وضد النظام العجوز ، وضد كل ما هو عجوز ، وحين يتصدر المشهد  نجيب ساو يرس ، ومحمد الأمين ، ومحمد أبو العينين ، ومحمد فريد خميس ، وحسن راتب ، الذين كونوا ثرواتهم من النظام الذي خرجنا ضده في 25 يناير ، ننشد  العيش والحرية ، والعدالة الاجتماعية ،  فإنهم من المؤكد سينتقمون ، أو بالفعل بدأوا ينتقمون من كل الذين خرجوا ضدهم ، في 25 يناير ، ويستعين بهم السيسي  الآن في أمور دولته .

نواب الحزب الوطني في عهد مبارك هم من يشكل منهم الجنزوري قائمته الإنتخابية المدعومة من السيسي لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة ، والمعارضة  التي تم تعليبها في أمن دولة مبارك ، هي التي يستعان بها الآن علي شباب الثورة ، مصطفي بكري و  السيد البدوي ،  وحتي الإعلام إحتكروه بأموالهم ، هؤلاء الذين أنتجهم مبارك هم أنفسهم هؤلاء الذين يرقصون في مسرح السيسي ، المغضوب عليهم من نظام مبارك هم أنفسهم المغضوب عليهم من نظام السيسي ، والذي أقصاهم مبارك ، هم أنفسهم الذين يقصيهم السيسي ، عملاء أمن الدولة في عصر مبارك من الإعلاميين ، هم الذين استمروا ، علي الشاشات ، وفي الصحف ، وأيضاً في الإذاعات .

الجميع يعزفون نفس اللحن ، المايسترو  واحد ، و” الآلاتية و الرقاصين ” يتمايلون علي إشارة من أصبعه ، يعتقدون أن الرقص سيستمر ، وأن المايسترو سيظل ممسكاً بعصاه ، أعماهم الإخلاص في الرقص ، وأصمهم جدار طغيانهم عن الضجيج الذي بدأ صداه خلف جدران مسرحهم العازلة ، سيرقصون حتماً نفس الرقصة التي كان يرقصها مبارك مع حاشيته حينما أراد تنبيهه بعض العقلاء فقال قولته الشهيرة ” خليهم يتسلوا ” .

نواب برلمان مبارك ، هم من يستعين بهم الجنزوري ليشكل بهم برلمان السيسي  ، ورجال أعمال مبارك ، هم من يركبون مع الرئيس الجديد طائرته  الرئاسية في جولاته الخارجية ، ، نفس الطائرة ، ونفس الركاب ، لم يتغير إلا راكب واحد ، سقط مبارك ، وركب السيسي ،  البرادعي المغضوب عليه من نظام مبارك ، هو نفسه البرادعي المغضوب عليه من نظام السيسي ، أيمن نور كذلك ، وكذلك مجدي حسين ، الإعلاميون الذين خرجوا من رحم أمن دولة مبارك ، هم أنفسهم الذين يعكرون أمزجتنا الآن في الصباح والمساء ، بالتطبيل والتضليل .

الوجوه نفس الوجوه ، والفساد الذي كان يسجد لمبارك ليحصل علي البركة ، هو نفسه الفساد الحالي ، شيء واحد تغير ، إلي الأسوأ للأسف ، في السابق كان يسجد  الفساد لمبارك طلباً للبركة ، الآن يجلس  الفساد مع السيسي ليمنح السيسي البركة ، كان مبارك هو الذي يفرض شروطه ، الآن هم الذين يفرضون الشروط ، مبارك كان رئيساً عنيداً ، الآن هم الذين يعاندون ، ويفرضون ، ويشترطون ، والرئيس يستجيب .

يعتقد البعض أن السيسي أقوي من مبارك ، لكن الشواهد تقول العكس ، ويعتقد البعض أن السيسي أرحم من مبارك ، لكن السجون تقول العكس ، ويعتقد البعض أن السيسي أوسع صدراً من مبارك ، لكن مانشيتات الصحف التي كانت قبلاً تهاحم مبارك ومانشيتات الصحف التي تطبل الآن للسيسي علي “القاضي والمليان ” تقول العكس .

حتي التوريث الذي خرجنا جميعاً ضده ، كان يستعد لتغيير الوجوه ، لكن السيسي أبقي علي نفس الوجوه بنفس القبح ، وأزيد ، أبقي علي نفس السياسيات ، بنفس القبح وأزيد ، أبقي علي نفس الفساد بنفس الفُجر وأزيد ، أبقي علي نفس القمع ، بنفس القدر وأزيد ، الآن أيمن نور في بيروت ، وشباب الثورة الأطهار خلف القضبان ، في وقت كان فيه شباب 6 أبريل وكفاية يصدحون ضد مبارك من علي سلالم نقابة الصحفيين وينتهي يومهم إلي منازلهم ، المظاهرات انطلقت وسار فيها أحمد دومة ضد الإخوان وكانت سبباً في مجيء السيسي للحكم ، أصبحت -وقبل أن تنطلق -سبباً في إرسال دومة إلي السجن ، وبقانون السيسي ، وبرغبة السيسي .. فعلاً ” أحسنت الجميل ..! ”  ، ودولة مبارك التي خرجنا ضدها ، ضد كل ما فيها ، عادت بأسوأ مما كانت ، بأسوأ كثيراً ، لم تكن إلا سخرية القدر التي أنطقت قاضي محاكمة القرن ، حينما قال : ” عودوا لمقاعدكم ” ، وقد عادوا.

 ____________________

*محام – وحقوقي مصري

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان