مسلمو بريطانيا وهجوم باريس

وصف الأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز زمان الثورة الفرنسية بين لندن وباريس في روايته الشهيرة “قصة مدينتين” بقوله “كان أحسن” زمان وأسوأ زمان

*هاني بشر

وصف الأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز زمان الثورة الفرنسية بين لندن وباريس في روايته الشهيرة قصة مدينتين بقوله كان أحسن زمان وأسوأ زمان. لقد كان عصرا للحكمة وعصرا للحماقة في آن واحد. كان عهد الإيمان وعهد الجحود. وكان زمن النور وزمن الظلمة. وربيع الأمل وشتاء القنوط.” ولم يفقد هذا الوصف صلاحيته في أزمنة عديدة مرت بها هاتين العاصمتين الأوروبيتين وحجم المتناقضات التي تشهدها الساحتين السياسية والاجتماعية فيهما رغم أنه في زمن الرواية، لم يكن هناك عرب ومسلمون داخل التركيبة الاجتماعية في لندن وباريس. ومع مرور الوقت تكشف الرواية عن صحة مقولة إذا عطست باريس، أصيبت أوروبا كلها بالزكام“.
ففي شتاء 2015 أصيبت باريس بزكام سياسي واجتماعي تمثل في هجوم على صحيفة “شارلي إبدو” لتمتد عدوى البرد إلى بريطانيا عبر نقاش محتدم حول ردود الفعل على هذه الحادثة بين الحكومة البريطانية من جهة وممثلي المنظمات الإسلامية من جهة أخرى.

بدأت الحكاية حين استنكرت المنظمات الإسلامية في البلاد هذا الحادث. وعلى رأس هذه المنظمات مجلس مسلمي بريطانيا الذي تنضوي تحته نسبة كبيرة من الجمعيات والمنظمات الإسلامية.

تبع ذلك خطاب حكومي صاغه وزير شؤون الاقليات “إريك بيكلز” وأرسله للعديد من الشخصيات والمراكز الإسلامية يعرب فيه عن تقديره للأسلوب الذي تعامل به المسلمون في بريطانيا مع هجوم باريس، لكنه ينتظر منهم المزيد وأن يقوموا بتوعية الشباب ضد ما أسماه التطرف وأن المتطرفين ليس لهم مكان في المساجد البريطانية. كما طالبهم بتوضيح أن القيم البريطانية هي قيم إسلامية.

استنكر مجلس مسلمي بريطانيا طريقة الخطاب وأسلوبه، واعتبره إلقاءً لعبء مكافحة العنف على كاهل أئمة المساجد الذين لا ذنب لهم في هذه الحادثة، بالإضافة إلى أنه يُظهر أن أئمة المساجد ومسئولي المراكز الإسلامية وكأنهم يتلقون أوامر من الحكومة فيما يتعلق بهذه الأمور؛ مما قد يعرض مصداقيتهم لدى مسلمي بريطانيا للتشكيك، بحسب وجهة نظر المجلس.

ودخل حزب العمال المعارض على الخط لينتقد فشل حكومة حزب المحافظين الحاكم في تعاطيها مع الجاليات المسلمة خلال العامين الماضيين. الأمر الذي اضطر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون للتدخل  بنفسه والدفاع عن الوزير بيكلز وخطابه.

أول تناقض يلفت النظر أن المسلمين في هذا السياق السياسي هم جزء من الحكومة والمعارضة في وقت واحد.

فأحد مرسلي الخطاب إلى جانب وزير شئون الأقليات هو اللورد المسلم طارق أحمد  المنتمي لحزب المحافظين الحاكم ووزير الدولة داخل الوزارة ذاتها، وهي الحكومة نفسها التي شهدت استقالة أول وزيرة مسلمة في تاريخ الحكومات البريطانية البارونة سعيدة فارسي من منصبها في أغسطس الماضي احتجاجا على تعامل الحكومة مع الحرب الإسرائيلية على غزة العام الماضي. وقد تولت منصب الرئيس التنفيذي للحزب الحاكم قبل أن تنتقل لمنصب رفيع كوزيرة دولة بوزارة الخارجية مختصة بشئون العالم الإسلامي وحقوق الإنسان وهو الذي استقالت منه.

أعراض البرد البريطاني الناجم عن هجوم “شارلي إبدو” مرشح للاستمرار مع إعلان مجلس مسلمي بريطانيا عن خطابِ ردا على خطاب الوزير البريطاني. ولن يخلو الأمر من استقطاب سياسي بين الأحزاب؛ خاصة وأن البلاد مقبلة في شهر مايو المقبل على انتخابات تشريعية ستحدد مستقبل حكومة المحافظين الحالية.

تقول هذه الشواهد إن مسألة رد الفعل على هجوم باريس لا تزال محصورة في إطارها السياسي داخل بريطانيا، ولم تتطور حتى الآن لتصل إلى صراع حول حدود حرية التعبير وإمكانية امتدادها إلى السخرية من المقدسات. 

وتفسير ذلك أن تاريخ  مشاركة المسلمين في الحياة السياسية والعامة في بريطانيا في العقود الماضية مرتبط بحدث مشابه وهو صدور رواية “آيات شيطانية” للكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي عام 1988، حينئذ شعر المسلمون في بريطانيا بإهانة كبرى وهم يرون تناول نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم في عمل أدبي يسئ إلى سيرته. فاندلعت مظاهرات في طول البلاد وعرضها وامتد الغضب عربيا وإسلاميا حتى صدور فتوى آية الله الخميني بإهدار دم رشدي.

أحست الجالية المسلمة في البلاد وقتها بأنها في حاجة لمؤسسات حقيقية تمثلها، وأن صوتها لا يصل بشكل كاف للمسئولين، فبدأت في تأسيس جمعيات كثيرة، وأدركت أهمية جماعات الضغط السياسي وتشكيل مظلة جامعة لهذه الأنشطة والانخراط في الأحزاب السياسية القائمة للتأثير في صنع القرار، وهو ما تم لاحقا بدرجة أو بأخرى على مدار نحو ثلاثة عقود.

وقد يكون لوعي المسلمين البريطانيين بعد حادثة رشدي صلة بعدم تكرار حوادث مثلها مرة أخرى في بريطانيا، لكن الأهم أن نشاط الجالية خلال العقود الماضية يحمل بعض الإجابات على أسئلة التناقض في الساحة الاجتماعية والسياسية الأوروبية وخاصة سؤالين هما: لماذا لم يثمر انخراط مسلمي بريطانيا في الشأن السياسي استصدار قانون يجرم إهانة المقدسات الإسلامية؟ والثاني لماذا يمكن التسامح مع السخرية من رموز الإسلام ولا يمكن التسامح مع السخرية من اليهود؟.

من الأساطير المنتشرة في هذا المقام فكرة أن الضغط من أجل سن قوانين جديدة تجرم الإساءة للأديان يمنع هذه الإساءات. فقد كان هناك قانون قديم في التشريعات البريطانية يسمى “قانون الكفر” والذي يعاقب كل من يسئ أو ينكر أمورا دينية مقدسة تخص الديانة المسيحية في البلاد على مذهب الكنيسة الانجليكانية الرئيسية. وقد ألغي نهائيا عام 2008 رغم أنه لم يكن مطبقا في العصر الحالي بطريقة فعلية. وحاول بعض المسلمين استخدامه لتجريم سلمان رشدي حين ألف رواية “آيات شيطانية” ولم يفلحوا.

بعدها استطاع المسلمون في بريطانيا الضغط لاستصدار قانون  آخر عام 2006 باسم قانون مكافحة الكراهية الدينية يجرم تناول عقائد الآخرين بشكل يحض على الكراهية. وقد صدر القانون بالفعل وتم تعديله كي يستثني من يقومون بذلك بحسن نية أو بسخرية بريئة وهي عبارات فضفاضة فرغت القانون من مضمونه، كما أن القانون ذاته أصبح سيفا في بعض الأحيان على رقاب الأئمة الذين ينتقدون اليهود مثلا في المساجد.

ومن المهم الإشارة هنا أن مثل هذه القوانين ترتبط في العقل الأوروبي بمرحلة سطوة الكنيسة التي استبدت وأفسدت البلاد وتحالفت مع الارستقراطية التي صور تشارلز ديكنز قسوتها ووحشتها قبل الثورة الفرنسية في روايته قصة مدينتين. وبالتالي لا يمكن التعويل على الإطار التشريعي للحد من مثل هذه السلوكيات.

أما مسألة اليهود والهولوكوست، فإن الإسلام والمسيحية يصنفان في بريطانيا كديانتين بينما تصنف اليهودية داخل التشريعات البريطانية كعنصر أو عرق ثم يأتي بعد ذلك التعريف الديني  لها كمرتبة ثانية أو فرعية. بمعنى أن السخرية من المسيح عليه السلام ومن المسيحية والكنيسة مصنفة كحرية تعبير رغم إيمان قطاع كبير من الأوروبيين بالمسيحية، بينما تعد السخرية من أي شيء يتعلق باليهود واليهودية نوعا من العنصرية، ذلك أن هناك قناعة وتصنيف بأن اليهود فصيل يعتبر نفسه عرقية خاصة مثل الجنس الآري أو ذوي البشرة السوداء.

فليس مقبولا أن تسخر من أي شخص أسود بأي درجة من السخرية مهما كانت سواء كاريكاتير أو غيره لأن ذلك يعد نوعا من العنصرية التي هي أصل التمييز والكراهية ومنبع للنازية وغيرها من المشاكل التي مرت بها الدول الأوروبية. وهم يرون أن اليهودية لا تبشر بنفسها كدين خارج دائرة أتباعها على عكس المسيحية والإسلام. ومن هنا تتعامل القوانين المختلفة مع اليهودية كعرق والإسلام والمسيحية كأديان وأفكار. لكن هل اليهود فعلا عرق؟ وكيف أصبحت القوانين الأوروبية المختلفة بهذه الطريقة؟ هذا نقاش آخر لا يرتبط بالمسلمين بقدر ارتباطه  بمشكلات اليهود في أوروبا تاريخيا وهي مشكلة أوروبية داخلية بالأساس.

الدرس المستفاد من تجربة بريطانيا مع قضية سلمان رشدي خلال العقود الماضية يفيد بأن المجتمعات الغربية ليست مجتمعات ذات قيادة وتركيب هرمي كما في معظم الدول العربية والإسلامية. وهناك فصل حقيقي بين السلطات. بمعنى أن الضغط السياسي والاجتماعي الداخلي قد يثمر تغييرا في النظرة للمقدسات ووضعية المسلمين السياسية والاجتماعية. وأن هذا الأمر لن يحول دون اصطياد السياسيين المتكرر في الماء العكر مع كل حادثة  لتمرير سياسات بعينها قد لا تمت بصلة لحرية التعبير أو حماية المقدسات.

__________________ 

 *كاتب مصري مقيم في بريطانيا

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان