مفتاح نهاية الانقسام الثوري بيد الرئيس مرسي

 

نور الدين عبد الكريم*

قد يعود هذا الطرح على صاحبه بالكثير من الانتقاد واللوم وربما شيء من التشكيك بالنوايا والأهداف. ولكن ما آلت إليه الأحوال في مصر بعد تشتت كلمة الثوار وتفرق صفهم يسترعي منا التفكير بتروٍ وجدية عن حل وسط يرضي جميع الأطراف ويعيد الثورة –التي لم تنته بعد- إلى مسارها الصحيح، وبالتالي يرأب الصدع الذي باعد بين أطراف المسار الثوري خلال الثلاثة أعوام المنصرمة.
وقبل الوقوف على أي حل مقترح ينهي بدوره هذا الانقسام ليسهل بالتالي أمر اسقاط الانقلاب العسكري لابد من التأكيد على بعض المسلمات التي لا مناص من اعتبارها والتي لا يمكن بحال من الأحوال تجاهلها. فأول هذه المسلمات أنه من الطبيعي أن تجد في أي دولة تدعي تحقيق العدالة وتوظيف الديمقراطية في نظام حكمها مساحةً واسعة تتيح لمن شاء أن يعترض كما يشاء على أي أمر لا يروق له من تصرفات تلك الدولة ونظامها، وبناء على ذلك لا يحق لأي طرف الاعتراض على حق مشروع قام به بعض أفراد الشعب المصري من الخروج ومطالبة الرئيس محمد مرسي بالتنحي في يوم 30 يونيو اعتراضا على بعض سياساته ومواقفه. فليس من الإنصاف إتهام جميع من خرج في ذلك اليوم بالعمالة والخيانة وتبييت النية لتسهيل الانقلاب العسكري. ليس كل من تظاهر في 30 يونيو كان على علم بمخطط الانقلاب العسكري الذي كانت قد ظهرت معالمه وقتها، وإنما  بينهم ثمة فئة من المغرر بهم الذين تم استغلالهم من قبل قادة الانقلاب للتحجج بهم وبحقهم، وبالتالي عودتهم إلى الثورة لاستكمالها يجب أن تقابل بالترحيب والقبول. ثانيا، مهما كانت الحجة ومهما كانت الأسباب، لا يحق لأي فصيل سياسي مهما كانت مبادؤه أن يشترط لعودة اللحمة الثورية والمشاركة في إسقاط الانقلاب العسكري إقصاء فصيل آخر من الميدان.
فعدم التوافق مع مبادئ وأيدولوجية فصيل آخر لا يعطيك الحق بإقصائه وطرحه جانباً. وهذه المسلّمة تنطبق على أي فصيل سياسي صغر أو كبر، فما بالك بفصيل له ثقله ووزنه كالإخوان المسلمين.
 الديمقراطية الحقة تقتضي فتح الميدان أمام الجميع، ليعرض كل ما عنده وما في جعبته من حلول ومشاريع تتوافق مع مصالح الشعب ورغباته في عيش هنيء ضمن نظام عادل ومنصف، فالمعادلة البسيطة في أصلها المعقدة في تطبيقها تقول أن من يقدم الأفضل يكسب الشعبية الأكبر. أما الالتفاف على هذه المعادلة ومحاولة إخراج فصيل آخر من اللعبة قبل مواجهته فهو إما اعتراف مبدئي بعدم القدرة على هذه المواجهة وهذا إقرار بالهزيمة، أو قد يكون تصرفا نابعا من عدم الثقة به والتشكيك بنواياه وهنا أنت تصدر بحقه اتهاما أنت مطالب بإثباته بالدليل القاطع الذي لا لبس فيه. أما المسلمة الثالثة، فهي أنه على جميع الأطراف الثورية الاعتراف بما أفرزته الاستحقاقات الانتخابية قبل أن ينقلب عليها العسكر والتي نصبت الدكتور محمد مرسي رئيسا للبلاد، وعلى ذلك أي مشروع اتفاق أو تفاهم بين هذه الأطراف لا يعترف بشرعيته رئيسا لمصر فهو مشروع حكم على نفسه بالفشل قانونيا وشعبيا قبل طرحه. فبما أنه لم يصدر عن الرئيس محمد مرسي أي قرار مقروء أو مسموع ينص على تخليه عن منصبه الحالي على الرغم من كل ما تعرض له من قوة ظالمة غاشمة حالت بينه وبين تأديته كامل مهامه؛ فهو بالتالي لا يزال الرئيس الشرعي لمصر. وأي عمل ثوري في سبيل إسقاط العسكر يجب أن يسفر عن إعادته إلى مكتبه لمباشرة أعماله، وإلا فنحن نضع الدولة أمام فراغ دستوري لن يجر إلا اختلافاً وتفرقة ستكون أصعب مما نعيشه الآن.
فما الحل إذن؟
بعد أن نؤمن بهذه المسلمات الشرعية والديمقراطية، نجد أنفسنا مطالبين بإيجاد حل وسط شريطة أن يكون قانونيا ودستوريا ويرضي جميع الأطراف الثورية التي تحاول إسقاط هذا الانقلاب العسكري وتتطلع بقلق إلى مرحلة ما بعد إسقاطه.
وحتى يكون لهذا الحل وزنه ووقعه على الشارع فلابد أن تكون يد المبادرة فيه من رأس النظام الشرعي، أي الرئيس محمد مرسي. فلو تمكن الرئيس مرسي من أن يعلن للشعب المصري أنه على أتم الاستعداد لأن يخضع لاستفتاء جمهوري بعد حوالي شهر –مثلا- من اسقاط الانقلاب العسكري واسترجاعه كافة مهامه الرئاسية؛ وبناء على هذا الاستفتاء يقرر الشعب المصري عبر صناديق الاقتراع أمر استمراريته في منصب الرئاسة أو عدمها، وأنه سيرحب بنتائج هذا الاستفتاء بكل رحابة صدر ورضا نفس. لو تمكن مرسي من ذلك فهو يرجع المسار الثوري إلى طريقه الصحيح ويرسم أولى خطوات اللحمة والتحام الصف. أما بخصوص الانقلابين ومن عاونهم وتآمر معهم فيتم التعامل معهم بمجرد سقوطهم عن طريق محاكم ثورية يعينها ويشرف عليها مجلس الشورى -الذي حله العسكر وشتت جزءا منه وسجن آخر- على أن ينتهي من محاسبة القتلة والمجرمين وتطهير البلاد منهم في أسرع وقت خلال الفترة التي يعلنها الرئيس مرسي لإجراء الاستفتاء على منصبه.
يرى بعض المحللين والكتاب أن عام 2015 سيكون عاما ثوريا بامتياز بعد أن انكشف لمن  غُرر بهم الوجه الإجرامي والبشع –وهو الوجه الحقيقي- لهذا الانقلاب العسكري، كما ظهر خلو عقول قادته من رؤية هادفة وبرامج مستقبلية. بل تبدّى جليا ما جنى الشعب المصري من فشل يعقبه فشل جراء تسلط عبد الفتاح السيسي وجنرالاته على السلطة. فها قد بلغ السيل الزبى، وشق ثقل الصبر على الصدور حتى كادت تصعد في السماء. فهل يعلن رئيس كل المصريين مبادرة تعيد قطار المسار الثوري إلى طريقه الصحيح ؟؟!! 
__________________  

باحث أردني مقيم في ماليزيا

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان