محمد منير يكتب: الفقراء يحاربون والأوغاد يحصدون

حتى المعركة ذاتها تحكم النظام فى حدودها طبقا لمصالحه واتفاقاته الدولية ، واُجبر المقاتلين من أبناء الشعب على وقف القتال لتبدأ مفاوضات واتفاقيات انتهت بوقوع المصريين فى مستنقع الفقر والجهل والمرض
![]() |
محمد منير*
كل عام وأنتم بخير .. ذكرى نصر أكتوبر على العدو الصهيونى الصديق .. وقبل أن أعيد عليكم حكايات نصر أكتوبر العظيم ومأثر القادة والزعماء والرؤساء، أشرككم معى فى استرجاع مشاهد من فيلم تأثرت به في فترة شبابى المتأخر، الفيلم عنوانه “المواطن مصرى”.
وباختصار فإن الفيلم يتعرض لفترة ما قبل أكتوبر 1973، وسنوات مابعد هزيمة 5 يونيه 1967 والمجتمع المصرى فى حالة تعبئة لمعركة قادمة مع اسرائيل.
وتدور أحداث الفيلم فى أحد المجتمعات الريفية يحمل ملامح إقطاعية حيث تعيش عائلتين، عائلة العمدة الذى يُسخر الفلاحين ويستغلهم، وعائلة فلاح مطحون بسيط، ويتم استدعاء ابن العمدة للخدمة العسكرية، ولأن أبناء الأغنياء لا يتعرضون للمخاطر ولا يحاربون فقد مارس العمدة ضغوطه وإغراءاته على الفلاح البسيط ليرسل ابنه للجيش مكان ابن العمدة بعد التلاعب فى الأوراق وإستبدال اسميهما.
ويوافق الفلاح البسيط تحت ضغط الفقر وإغراء جنيهات قليلة، ويسافر ابن الفلاح للقتال سعيداً بمشاركته فى تحرير الأرض من المحتل ويبقى ابن العمده فى حضن أمه وأبوه، ويستشهد ابن الفلاح ليصبح شهيداً عند الله فقط؛ ولكن فى الأوراق الرسمية الشهيد ابن العمدة الذي يتم تكريمه باعتباره الأب الذى ضحى بابنه من أجل الوطن، ويعيش الفلاح بقية حياته بحسرته على ابنه الذي حتى لم يُكرم بعد استشهاده، وتستمر حياته المهانة تحت قهر وضغط واستغلال العمدة الذى يزداد نفوذه بعد أن أصبح أبو الشهيد.
هذا تماما هو المشهد الذى يعكس علاقة المجتمع المصرى بنصر أكتوبر الذى كان ثمنه دماء الفقراء، وجنى ثماره المستغلين والفسدة، والذى امتد فسادهم إلى التحالف مع العدو، ومعاونته في تنفيذ مخططاته لقهر وقتل ونهب شعوب عربية شقيقة.
الفقراء فى بلادنا مجرمون لو حملوا السلاح للدفاع عن مصالحهم، هم فقط يحملونه تحت إمرة السادة وبشروطهم ليحمون مصالحهم ويخوضون المعارك المشروطة بالحفاظ على مصالح الحكام وأولي الأمر، وحتى فى ظل أكثر المعارك التى روج لها التاريخ باعتبارها معارك وطنية، كان النظام حريصاً على أن لا يسلح الشعب تسليحا كاملاً وتنظيمه من خلال مواجهة شعبية مع العدو؛ بل أصر النظام على استغلال الشعب كوقود فى القتال تحت قيادته وسيطرته ليتم التحكم فى المعركة بما يتناسب مع حدود ومصالح النظام، وأقصد حرب 1956، عندما رفض النظام آنذاك تسليح الشعب فى مواجهة الاعتداء الثلاثى ووضع المقاومة الشعبية تحت سيطرة المخابرات والجيش الذى قاد المعركة بأجساد الفقراء من الشعب.
أتذكر الفترة ما بعد هزيمة 5 يونيه 1967 عندما تلقى الشعب المصري خبر الهزيمة غير المتوقعة وخرج الفقراء يبكون فى الشوارع ويصرخون وتحملوا بعد ذلك كل نتائج الاستعداد للمعركة وربطوا على بطونهم وتبرعوا طوعاً بأجزاء من أقواتهم وقروشهم القليلة من أجل استعادة كرامة الوطن وشرفه. وظل الأثرياء والفسدة والمستغلون قابعون فى مواقعهم يلهبون مشاعر الفقراء بشعارات المعركة ونداءات الوطن بينما ينهبون خيراته ويحافظون على وجودهم لجني ثمار معركة الفقراء من أجل الكرامة.
الفقراء قدموا أبناءهم شهداء وتحملت الطبقات الفقيرة والطبقة الوسطى العبء كاملاً ، وظل الفسدة واتباع الحكم قابعين فى جحورهم يمارسون الفساد والاستغلال ووهم القتال، ولم يقدم أحد منهم إبناً من أبنائه فى المعركة، ومنهم من هرب أبناؤه للخارج ، ليعودوا بعد ذلك رجال أعمال ومستثمرين ينحتون خيرات البلاد ويمصون الدماء الباقية من الفقراء بعد المعركة مع العدو، بل ويحملون راية النصر باعتبارهم الأبطال الذين حررو البلاد.
حتى المعركة ذاتها تحكم النظام فى حدودها طبقا لمصالحه واتفاقاته الدولية، واُجبر المقاتلين من أبناء الشعب على وقف القتال لتبدأ مفاوضات واتفاقيات انتهت بوقوع المصريين فى مستنقع الفقر والجهل والمرض وتحول المجتمع الى قسمين .. قسم كبير مقهور وقسم صغير مستغل من الذين هربوا من المعركة وعادوا ونهبوا نتائجها .
بعد أكثر من 40 عاما على معركة الفقراء فى أكتوبر، يعيش المصريون مقهورين مستغلين مرضى وجوعى يهددهم الجهل والمصير المجهول .. فأى نصر هذا ؟ !!
__________________________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
