ممدوح الولي يكتب: لهذه الأسباب تآكل الاحتياطي!

يأتي الاقتراض في ضوء عدد من العوامل، أبرزها: استمرار نقص العملات الكافية لاستيراد السلع التموينية الغذائية، والبترول والسولار والمازوت والبوتاجاز.. يتبع.
![]() |
ممدوح الولي*
حسب بيانات البنك المركزي المصري فقد بلغت موارد النقد الأجنبي خلال العامين الماليين التاليين لما بعد انقلاب العسكري يوليو/تموز 2013 ، نحو 176 مليارا و300 مليون دولار، بينما بلغت المدفوعات خلال نفس العامين171 مليارا و100 مليون دولار، ليصل الفائض في ميزان المدفوعات إلى 5 مليارات و200 مليون دولار .
وفى أية دولة من العالم عندما يكون هناك فائض بميزان المدفوعات ينعكس ذلك على زيادة الاحتياطيات من النقد الأجنبي، كما ينعكس على استقرار سعر صرف العملات الأجنبية وتوافر تلك العملات.
لكننا في مصر وبرغم هذا الفائض المزعوم، نرى استنزافا مستمرا لأرصدة الاحتياطيات الأجنبية بالبنك المركزي خلال تلك الفترة، وانخفاضا متتاليا لقيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي مع نقصان تواجده سواء بالبنوك أو خارجها.
حيث كان سعر صرف الدولار الأمريكي مع نهاية يونيو/حزيران 2013 أي نهاية فترة الرئيس مرسى – والتي شهدت في أواخرها اضطرابات مصطنعة وإشاعات ومؤامرات داخلية وإقليمية – 6 جنيهات و99 قرشا. بينما بلغ السعر الرسمي حاليا 7 جنيهات و83 قرشا، ويزيد السعر عن ذلك سواء داخل البنوك أو خارجها، بسبب إضافة عمولة تدبير عملة على السعر الرسمي.
وتتعدد موارد النقد الأجنبي ما بين: الصادرات السلعية والخدمية والاستثمار الأجنبي المباشر والمعونات وتحويلات المصريين بالخارج واستثمار الحافظة وودائع الأجانب بمصر والقروض التي حصلت عليها من الأجانب .
حيث بلغت المعونات الخليجية وغير الخليجية خلال العامين 14 مليارا و600 مليون دولار، وهي بالطبع تخفف من أعباء تكلفة الواردات وسداد الديون، وكان من المفترض أن تنعكس تلك المعونات على أرصدة الاحتياطي البالغ 14 مليارا و900 مليون دولار مع قدوم نظام الانقلاب العسكري ليصل الاحتياطي الى حوالى 29 مليارا و500 مليون دولار.
كذلك كان من المفترض أن تنعكس القروض والودائع الأجنبية، البالغة خلال العامين 25 مليار دولار، على هذا الاحتياطي ليصل الى حوالى 54 مليارا و500 مليون دولار، لكنه بلغ واقعيا في نهاية يونيو الماضي 20 مليار دولار فقط ، وبما يشير إلى توجيه الفارق نحو علاج تناقص حصيلة الصادرات والسياحة واستثمار الحافظة وغيرها .
ولعل استعراض ما حدث من تغيرات على أرصدة الاحتياطي خلال الشهور الماضية وحدها خير شاهد، حيث كان الاحتياطي قد بلغ 3ر15 مليار دولار في مارس من العام الحالي ، ثم تم تدعيمه بنحو 6 مليار دولار ودائع خليجية ثم اقرارها بمؤتمر شرم الشيخ .
ثم أضيف له 5ر1 مليار دولار في شهر يونيو حصيلة سندات دولارية تم طرحها بالخارج، إلى جانب قروض أخرى من بنوك وصناديق إقليمية ودولية لم يعلن البنك المركزي مجموعها بعد.
ورغم تلك الودائع والسندات والقروض فقد بلغ الاحتياطي في نهاية سبتمبر الماضي 16 مليارا و300 مليون دولار ، بزيادة 1 مليار دولار فقط عن رصيده في مارس قبل وصول ودائع الخليجيين، وبالطبع فقد تم استهلاك الفرق في سداد قيمة واردات وقيمة ديون وفوائد.
وهذا هو المأزق الذى فشلت حكومات الانقلاب في علاجه، من خلال زيادة الموارد ، ولكن ما حدث كان معاكسا حيث تراجعت حصيلة الصادرات السلعية ، واستمرار انخفاض حصيلة السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر .
وهى أمور لا يتوقع حدوث تغير بها بالأجل القصير، حتى تفريعة قناة السويس التي تكلفت 64 مليار جنيه، لن تساهم في زيادة موارد النقد الأجنبي حاليا بسبب تباطؤ النمو العالمي وبالتالي حركة التجارة الدولية.
وكان الاحتياطي من العملات الأجنبية قد بلغ 36 مليار دولار قبيل ثورة يناير 2011، لكن المجلس العسكري الذى تولى السلطة لمدة 17 شهرا، ترك السلطة ورصيد الاحتياطي 15 مليارا و500 مليون دولار بانخفاض 20 مليارا و500 مليون دولار .
وترك الدكتور “محمد مرسى” السلطة ورصيد الاحتياطي 14 مليارا و900 مليون دولار ، بانخفاض 598 مليون دولار خلال عام توليه، مع الأخذ في الاعتبار أن قيمة المعونات الخليجية والدولية التي حصل عليها الرئيس مرسى ، خلال عام توليه، كانت 836 مليون دولار فقط، معظمها من قطر، بينما حصل الانقلاب على معونات بلغت 11 مليارا و900 مليون دولار خلال عامه الأول.
واذا كانت المنح النقدية والقروض والودائع التي حصل عليها نظام الانقلاب قد ساهمت في رفع قيمة الاحتياطي على فترات متقطعة خلال العاميين الماضيين، قبل أن يتم استهلاكها لمواجهة مدفوعات الواردات السلعية والخدمية وسداد الديون، فإنه يُتوقع اللجوء إلى الاقتراض الخارجي للحفاظ على قيمة الاحتياطي، وهو ما أعلنته وزارة المالية المصرية، رغم ارتفاع الديون الخارجية المصرية لمعدلات غير مسبوقة في الوقت الحالي، ما دفع البنك المركزي للامتناع عن نشر بيانات الدين الخارجي منذ مارس/آذار الماضي وحتى الآن.
ويأتي الاقتراض في ضوء عدد من العوامل، أبرزها: استمرار نقص العملات الكافية لاستيراد السلع التموينية الغذائية، والبترول الخام والسولار والمازوت والبوتاجاز والبنزين والغاز الطبيعي، والاحتياجات الأمنية.
وكذلك سداد قسط أخير لمستحقات قطر يبلغ نصف المليار دولار خلال أكتوبر/تشرين الأول الحالي، وسداد القسط نصف السنوي لديون نادى باريس في بداية يناير/كانون الثاني المقبل،والذى يبلغ حوالى سبعمئة مليون دولار.
أيضا بلوغ معدل تغطية الاحتياطي شهرين ونصف الشهر فقط، من قيمة الواردات السلعية والخدمية، وهو المعيار الذى تحسب به الجهات الدولية قوة الاحتياطي، كما تستند إليه مؤسسات التصنيف الائتماني في تقييمها للدول، وكذلك الموردون والبنوك المراسلة عند تعاملها مع الدول المستوردة، باعتبار انخفاض معدل تغطية عدد شهور الواردات دليلا على ارتفاع معدل المخاطر، ودافعا لزيادة نسبة الأتعاب وهامش التأمين على تلك الواردات .
_________________________
*خبير اقتصادي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
